في الفعل الإنساني اليومي، وفي طبقات الوعي واللاوعي، داخل العقل الفردي كما في الوجدان الجمعي، تتحرك حياتنا على حافة ميزان لا يهدأ. ميزان تتجاذبه الأنا والقيم، وتثقل كفتيه تناقضات البشر، وتُعرضان باستمرار على محكمة المعايير والمُثل. نمضي في هذا الوجود كما لو أننا على متن سفن تجمع الوهم بالحقيقة، لا تعبأ بعواصف الفصول، تتقاذفنا بين الرجاء والخوف، حتى تشرق في داخلنا شمس الصفاء الأولى، ثم لا تلبث أن يزحف ليل الأهواء من جديد. تميل الكفتان مرات لا تُحصى، وتستقيم أحيانًا، لنجد أنفسنا في صراع دائم مع ذواتنا ومع الآخرين، صراع لا يخبو، لأنه جزء أصيل من معنى أن نكون بشرًا. فرحنا وألمنا، شوقنا وجفاؤنا، حبنا وكرهنا، صدقنا وما نخبئه خجلًا أو طمعًا أو انتظارًا أو حتى صحوةً مفاجئة؛ كلها انعكاسات شفافة نراها بوضوح حين نخلو إلى أنفسنا، مهما حاول الوهم أن يعمي بصيرتنا. وحين تلمع، ولو لبرهة، أنوار البصيرة أمام أرواحنا المتعبة، ندرك أن كفتي الميزان لا يمكن أن تستقرا وسط هذه العواصف إلا إذا آمنا بحقيقة واحدة: أننا عابرون. نأتي إلى نافذة الأرض للحظة، نفتحها ثم نغلقها، نبتسم ثم نندهش الدهشة الأخيرة، نحزن ثم نمضي إلى أرض بعيدة نجد فيها سكوننا الأبدي. وبين أوهام الحقائق وحقائق الأوهام، نمضي حاملين أسئلة نصنعها بأيدينا، لا لنجيب عنها، بل لنؤجل لحظة الانكشاف الكبرى أمام أنفسنا؛ تلك اللحظة التي نعلم في أعماقنا أننا لن نخرج منها كما دخلناها أبدًا. إن كفتي ميزان حياتنا ينبغي أن تكونا جناحي طائر لا يخشى الحقيقة، ولا يفر من المواجهة، ولا يسمح للشك أن يستوطن قلبه. طائر يدرك أن الأضواء التي تُشعل في طرقاتنا، صدقًا كانت أم زيفًا، قد تبدو هادية في ظاهرها، لكنها إن لم نمتلك وعي التمييز بين الحقيقي والمصطنع، فقد تتحول إلى نيران تحرقنا وتحرق من نحب، ونحن نظن أننا نهدي الطريق. وفي أسرنا، داخل بيوتنا، وبين تفاصيل حياتنا اليومية مع الأصدقاء والجيران والمعارف، تظهر كفتا الميزان بجلاء في كل خطوة نخطوها، وفي كل صمت نختاره دون رغبة، وفي كل صخب نفرضه ونحن لا نريده. ستظل هاتان الكفتان حملنا الدائم حتى النهاية، لأنهما شهادة عبورنا الأخيرة: إما أننا كنا هنا لغاية تستحق، أو أننا مررنا بالحياة مرور العابرين بلا أثر.