عدّ الروائي والأديب جعفر الوردي مبادرة «الشريك الأدبي» تحولًا نوعيًا في صلة المجتمع بالأدب، مؤكدًا أن المبادرة نقلت الأدب من فضائه النخبوي إلى الفضاء الاجتماعي، وجعلت من المقهى منصةً ثقافية تستضيف محاضرات وأمسيات وورش عمل، لتغدو الثقافة سلوكًا يوميًا لا نشاطًا نخبوياً فحسب، إذ قال: «منذ إطلاق المبادرة أواخر مارس 2021م، انتقل الأدب من فضائه النخبوي إلى الفضاء الاجتماعي؛ صار المقهى منصة ثقافية تستضيف محاضرات وأمسيات وورشاً، فغدت الثقافة سلوكاً يومياً لا نشاطاً نخبوياً فحسب». وربط الوردي بين دينامية «الشريك الأدبي» ومستهدفات رؤية المملكة 2030، مشيدًا بمعايير اختيار الشركاء وجودة المحتوى وآليات الدعم والتفاعل المجتمعي، وخلق منافسة إيجابية عبر جوائز سنوية تصل إلى 250 ألف ريال، مشيرًا إلى أن الثقافة في «السعودية الجديدة» رافدٌ أصيل لبناء الإنسان لا هامشٌ ترفيهي. وأوضح أن المؤشرات الرقمية تعكس عمق التحول قائلًا: «حين نتحدث عن أكثر من 1400 فعالية في النسخة الثانية، وأكثر من 80 مقهى مشاركاً في الثالثة، واستقبال ما يزيد على 100 ألف زائر، بنسبة نمو تجاوزت 400 ٪ مقارنة بالنسخة الأولى، فنحن أمام جمهور واسع ومتفاعل وثقة متجددة بالمنتج الثقافي». وأبرز أن تنوّع الفعاليات - من أمسيات الشعر وتوقيعات الكتب إلى النقاشات الفكرية وجلسات القراءة وورش العمل والبرامج المخصصة للأطفال واليافعين - أسهم في جعل المبادرة «جسرًا جامعًا بين الأجيال»؛ حيث تلتقي أجيال التأسيس والتحولات والرؤية في مساحة واحدة تجمعها الحماسة للفكرة والمعرفة. وجاءت تصريحات الوردي خلال مشاركته في سلسلة محاضرات فكرية وثقافية بالخبر والأحساء والطائف ناقشت قضايا الإنسان المعاصر وطرائق الوعي والمعنى، وسط حضور لافت من المهتمين، بهدف تعميق النقاش حول أثر الفكرة في تشكيل السلوك ومسارات النجاة الفردية. ففي ندوة حملت عنوان «التداوي بالتفكير وأثر التفكر» واستضافتها «دار ورقاء للنشر» بالدمام في مكتبة إثراء، عرض الوردي ورقةً ميّز فيها بين «التفكير» بوصفه عملية ذهنية لحل المشكلات واتخاذ القرارات، و«التفكّر» باعتباره رحلة داخلية عميقة إلى إدراك الحقائق الكبرى ومعاني الوجود. وشدّد على أن الإنسان «ابن فكره»، وأن جودة الحياة رهنٌ بجودة الأفكار والمعتقدات التي يتغذّى بها العقل، محذّرًا في الوقت ذاته من انعكاسات الأفكار المنحرفة والمتطرفة على الفرد والمجتمع، ولافتًا إلى تنامي الوعي العالمي بخطورة «الغزو الفكري» وما تبع ذلك من برامج ومبادرات دولية وعالمية لمواجهة الفكر الشاذ وحماية النشء من الانحراف. وفي محاضرة ثانية بعنوان «فلسفة النجاة... مساحة متسعة لحياتنا» استضافتها «مكتبة كوب وكتاب» في الأحساء، قدّم الوردي مقاربةً فكريةً تؤكد أن السعادة والتعاسة تُشتقان مباشرةً من طرائق التفكير ومصادر المعرفة التي يعتمدها الفرد، مبينًا أن لكل إنسان «مساحة أخرى» للحياة أوسع من واقعه الراهن يمكن بلوغها بتغيير المنظور، وبناء العلاقات على مبدأ راسخ قوامه الإيمان بالله؛ بما يضبط ردود الأفعال ويمنح اتزانًا داخليًا للإنسان. وتوقف الكاتب جعفر الوردي عند فكرة «الخروج من سجن الأنا»، موضحًا أن التقوقع حول الذات يضيّق الأفق، بينما يفتح التوجّه إلى الخالق آفاقًا لا نهائية، ومؤكدًا أن الاتساع الوجودي لا يستلزم بالضرورة تغيير المكان، بل يتطلب تصحيح زاوية النظر من داخل الإنسان ذاته. كما تناول مفهوم الاستناد إلى القوة المطلقة لله؛ حيث يتحول ضعف الإنسان إلى طمأنينة وسَعة، وأن الارتباط بالأبدية يهب الروح معنى يتجاوز حدود الزمان والمكان؛ لأن الإنسان ضيق بنفسه، واسع بربه. وفي هذا السياق وصف العبودية لله بأنها «بوابة الحرية الحقيقية»، معتبرًا أن الابتلاءات قد تكون المعمل الذي تنضج فيه الروح والنفس وتكتشف عمقها وحقيقتها. ويرى الوردي أن الحياة ليست مجرد تدوير للمسؤوليات اليومية، بل فرصة لمعرفة الله والتأمل في الكون باعتباره «كتابًا مفتوحًا» يعكس الأسماء والصفات، داعيًا إلى توسيع الهمّ والأفق والنظر إلى الحياة كرحلة روحية نحو الكمال؛ حيث تتحقق السعادة حين يعرف الإنسان الغاية من وجوده ويعمل بمقتضاها. وحظيت هذه المشاركة بتفاعلٍ من الحضور لما حملته من عمق فكري وبعدٍ إنساني وروحي، بما يعزّز أثر مبادرة «الشريك الأدبي» في إثراء المشهد الثقافي المحلي وترسيخ الوعي بأهمية الفكر الواعي في بناء الإنسان والمجتمع.