"يرحلون ويبقى أثرهم" ليست جملة عابرة لمن تفكر فيها وأمعن أبعادها، حيث يغادر الجميع، لا أحد يبقى للأبد، ما يبقى هو أثر الراحلين وذكراهم فإن كانت طيبة فهم في نعمة عظيمة لا يصلهم من الناس إلا الثناء والدعاء وأما من أثره لا يسُر فهو في ضُر وذويه في حال مُرْ . طباع الناس مختلفة وكذلك ما تحمله من سجايا وصفات، فتجد الحليم النقي، وتجد العصبي التقي، وتجد العاطفي الصبور، وتجد القوي الانفعالي، وتلك سنة الحياة أضداد تجتمع في نفس واحدة. من الشخصيات التي برزت في حياتي واستحقت مكانة عالية لدي جد أبنائي سعد بن عبد الرحمن - رحمه الله - ذلك الرجل الحكيم ولم يكن أكبر جماعته، ذاك العلم الشامخ وهو الذي لم يعمّر كثيرًا، ذلك الكريم المعطاء السخي. الذي تسامى عن الدنيا والدنايا فتجلى عن غيره، لا يعني ذلك أنه معصوم من الخطأ أو ملائكي الخلقة، ولكن إذا انفعل فغالبًا مبررٌ انفعاله، وإن استشاط غضبه قلّما يطول، لذلك فزلاته تُمسح وعثراته تُقال. أكرر له دائماً: حتى وأنت مخطئ تكون على حق! فيستنكر ذلك ويتفاجأ دائماً؟ كيف (الغلطان) يكون على حق يا (أبو عبدلله)؟ أنت (عشانك) لغة عربية يعني (ولا كيف؟) فأقول ببساطة: لأن الرجل الحكيم على حق حتى وإن أخطأ. أنينُه لازمه كثيرًا ولكنه بمجرد أن يستفيق يُثلج فؤادك بابتسامة تطمئن، وكلمات تشد من الأزر، ثم يبادرك السؤال عن حالك؟ وأهلك؟ قبل أن تسأله أنت عن حاله وكيف يشعر! الكلمات لا توفيه حقه، والمجال لا يتسع لوصفه، والمقام لا يسمح بالإطناب في تعداد مناقبه أو بعض مواقفه.. رحمه الله رحمة واسعة ورفع منزلته وجبرنا جميعًا بفقده. يا الله عفوك وجنتك للوالد سعد.