لم يعد التقاعد في المفهوم التنموي الحديث محطة ختام لمسيرة مهنية بقدر ما أصبح بوابة انتقال إلى دور جديد أكثر عمقًا وتأثيرًا، يقوم على الإنتاج المعرفي والعمل الاستشاري ونقل الخبرات المتراكمة إلى الأجيال والمؤسسات. فالعقود التي قضاها المتقاعد في ميادين العمل المختلفة لا تنتهي قيمتها بمجرد مغادرته المنصب الوظيفي، بل تتحول - إذا ما أُحسن توظيفها - إلى رصيد وطني ومعرفي قادر على الإسهام في تحسين الأداء المؤسسي، ورفع كفاءة القرار، وتقليص فجوات الخبرة في سوق العمل. وتشير التجارب العالمية إلى أن الاقتصادات الناجحة هي تلك التي أعادت تعريف مفهوم التقاعد، فانتقلت به من حالة الانقطاع إلى حالة الشراكة، ومن الفراغ الوظيفي إلى العطاء المعرفي المنظم. ويمثل المتقاعدون شريحة نوعية تمتلك مزيجًا فريدًا من الخبرة العملية، والنضج المهني، والقدرة على قراءة المشهد المؤسسي بعمق وهدوء، بعيدًا عن ضغوط المواقع التنفيذية. وهو ما يجعلهم مؤهلين للاضطلاع بأدوار استشارية، وتدريبية، وإشرافية، تسهم في بناء القدرات البشرية، ودعم استدامة الأداء داخل الجهات الحكومية والخاصة. وفي السياق السعودي، ومع تسارع برامج التحول الوطني، وبروز الحاجة إلى تعظيم كفاءة رأس المال البشري، تبرز أهمية تحويل التقاعد إلى مرحلة إنتاج معرفي منظم، يتكامل مع مستهدفات التنمية، ويعزز مفهوم الاستفادة من الخبرة الوطنية بدل تهميشها. فالتقاعد ليس نهاية قصة مهنية، بل بداية فصل جديد تُعاد فيه صياغة الأدوار، وتُستثمر فيه الخبرات بوصفها قيمة مضافة، وشريكًا فاعلًا في صناعة القرار، ونقل المعرفة، وبناء مستقبل أكثر كفاءة واستدامة «نقطة تحول» وفي ظل التحولات الهيكلية التي يشهدها سوق العمل عالميًا، وتزايد الضغوط على المؤسسات الحكومية والخاصة لتحقيق الكفاءة والاستدامة، تبرز أهمية استثمار الخبرات التراكمية للمتقاعدين بوصفها أحد المسارات الذكية لتعظيم رأس المال البشري، والحد من فاقد المعرفة، وتحسين جودة القرار المؤسسي. فالتقاعد لم يعد نهاية لمسار العطاء، بقدر ما أصبح نقطة تحوّل تفرض على صناع القرار إعادة النظر في كيفية الاستفادة من رصيد معرفي ومهني راكمه الأفراد عبر عقود من العمل. وتشير تقارير صادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن متوسط العمر المتوقع في الدول الأعضاء تجاوز 81 عامًا، فيما يتراوح متوسط سن التقاعد بين 60 و65 عامًا، ما يعني وجود فجوة زمنية تمتد من 15 إلى 20 عامًا من القدرة على الإسهام الإنتاجي خارج الإطار الوظيفي التقليدي. كما تُظهر البيانات أن نحو 25 % من القوى العاملة في الاقتصادات المتقدمة ستصل إلى سن التقاعد بحلول عام 2035، وهو ما يضع المؤسسات أمام تحدٍّ مزدوج من حيث فقدان الخبرة من جهة، وارتفاع كلفة التعويض والتأهيل من جهة أخرى. وتؤكد دراسات البنك الدولي أن فقدان الخبرات التراكمية يرفع كلفة الأخطاء التشغيلية بنسبة قد تصل إلى 20 - 30 % في القطاعات المعقدة، ويؤثر سلبًا في سرعة اتخاذ القرار وجودته، خصوصًا في المجالات التي تتطلب معرفة تراكمية طويلة مثل الطاقة، والصناعة، والصحة، والتعليم، والحوكمة. وفي المقابل، فإن المؤسسات التي تطبق نماذج الاستفادة من خبرات ما بعد التقاعد، سواء عبر الاستشارات أو الإرشاد المهني أو العمل بالمشروعات، تحقق تحسنًا ملحوظًا في مؤشرات الأداء المؤسسي، وتقلل من الاعتماد على الخبرات الخارجية مرتفعة التكلفة. «تحول وطني» وفي المملكة العربية السعودية، تكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل مسارات التحول الوطني وبناء اقتصاد قائم على المعرفة، ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030. فبحسب بيانات سوق العمل، تشهد المملكة تزايدًا ملحوظًا في أعداد المتقاعدين سنويًا من القطاعات الحكومية والعسكرية وشبه الحكومية، إضافة إلى القطاع الخاص، حيث تشير التقديرات إلى أن عشرات الآلاف يدخلون سن التقاعد كل عام، حاملين معهم خبرات إدارية وفنية ومهنية عالية القيمة. وتشير بيانات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية إلى أن شريحة كبيرة من المتقاعدين لا تزال تتمتع بالقدرة والرغبة في العمل، إذا ما توفرت الأطر النظامية المرنة التي تستوعب هذا النوع من العطاء. وتسهم استثمار الخبرات التراكمية للمتقاعدين في الجهات الحكومية في تعزيز الذاكرة المؤسسية، ويحد من الانقطاع المعرفي الناتج عن التدوير الوظيفي أو الإحلال السريع. فالكثير من البرامج والمشروعات الحكومية تتأثر بتغير القيادات أو خروج الكفاءات، ما يؤدي إلى إعادة العمل من نقطة الصفر، أو تكرار أخطاء سبق تجاوزها. ووجود المتقاعد الخبير ضمن فرق العمل الاستشارية أو لجان المراجعة يوفّر مرجعية معرفية تسهم في استمرارية السياسات، وتحسين جودة التنفيذ، وضمان الاتساق بين المراحل المختلفة للمشروع الواحد. أما في القطاع الخاص، فتتجلى أهمية هذا الاستثمار في دعم التنافسية ورفع كفاءة التشغيل. وتشير دراسات الموارد البشرية إلى أن الشركات التي تعتمد على مستشارين من أصحاب الخبرة الطويلة تقلل من زمن اتخاذ القرار بنسبة تصل إلى 40 % في بعض القطاعات، وترفع معدلات الامتثال والحوكمة الداخلية. كما يسهم المتقاعدون في نقل المعرفة غير الموثقة، والتي لا يمكن اكتسابها عبر التدريب التقليدي، مثل إدارة الأزمات، والتعامل مع الأسواق، وبناء العلاقات، وقراءة المخاطر. واقتصاديًا، يمثل هذا التوجه فرصة لتعظيم العائد من رأس المال البشري الوطني. «خبرات وطنية» وبدل الاعتماد المفرط على الاستشارات الخارجية، التي تُقدّر تكلفتها بمليارات الريالات سنويًا في بعض القطاعات، يمكن توجيه جزء من هذه الموارد للاستفادة من خبرات وطنية محلية، أكثر فهمًا للسياق التنظيمي والثقافي، وأكثر قدرة على تقديم حلول واقعية قابلة للتطبيق. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن توطين الاستشارات عبر الاستفادة من المتقاعدين قد يخفض الإنفاق الاستشاري بنسبة تتراوح بين 15 و25 % على المدى المتوسط. كما أن لهذا الاستثمار بعدًا اجتماعيًا وتنمويًا مهمًا، إذ يسهم في تعزيز الاستقرار النفسي والاقتصادي للمتقاعد، ويحد من الآثار السلبية للتقاعد المفاجئ، مثل العزلة أو فقدان الإحساس بالدور. وتشير دراسات اجتماعية إلى أن المتقاعدين المنخرطين في أعمال استشارية أو تطوعية أو تدريبية يتمتعون بمستويات أعلى من الرضا وجودة الحياة، مقارنة بمن ينقطعون كليًا عن النشاط المهني. وهذا بدوره يخفف الضغط على الأنظمة الصحية والاجتماعية، ويحوّل المتقاعد من متلقٍ للخدمة إلى شريك في التنمية. ولتحقيق الاستفادة المثلى من الخبرات التراكمية، تبرز الحاجة إلى أطر تنظيمية واضحة، تشمل إنشاء قواعد بيانات وطنية للخبرات، وتصميم نماذج تعاقدية مرنة، وتطوير برامج إرشاد مهني وتبادل معرفي، إضافة إلى تحفيز الجهات الحكومية والخاصة على تبني هذا النهج ضمن استراتيجيات الموارد البشرية. كما يتطلب الأمر تغييرًا ثقافيًا في النظرة إلى التقاعد، من كونه نهاية وظيفية إلى مرحلة عطاء مختلف، يقوم على الجودة لا الكمية، وعلى الأثر لا المسمى. وفي المحصلة، فإن استثمار الخبرات التراكمية للمتقاعدين ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة تنموية تفرضها معطيات الاقتصاد الحديث، والتحولات الديموغرافية، ومتطلبات الاستدامة المؤسسية. فالمجتمعات التي تنجح في الحفاظ على خبراتها، وتعيد توظيفها بذكاء، تبني مستقبلها على أسس أكثر صلابة، وتحوّل التجربة إلى قوة، والمعرفة إلى أثر، والإنسان إلى قيمة مستدامة لا تنتهي بتغير المرحلة، بل تتجدد بتجدد الدور. «مرحلة عطاء» وفي المجتمعات التي تُحسن قراءة تاريخها البشري، لا يُنظر إلى التقاعد بوصفه نهاية دور، بل بداية مرحلة جديدة من العطاء. فالتجارب المتراكمة عبر عقود من العمل، والقرارات، والإخفاقات والنجاحات، تمثل ثروة وطنية صامتة إذا أُهملت، وقوة استراتيجية إذا أُعيد توظيفها بذكاء. ومن هنا، تتجلى حقيقة جوهرية، فالمجتمعات التي تنجح في الحفاظ على خبراتها، وخصوصًا المتقاعدين، وتعيد دمجهم ضمن منظومة التنمية، تبني مستقبلها على أسس أكثر صلابة واستدامة. وفي كثير من دول العالم، ظل التقاعد لفترات طويلة يُقارب من زاوية اجتماعية ضيقة مثل: راتب تقاعدي، رعاية صحية، وحياة هادئة خارج سوق العمل. غير أن التحولات الديموغرافية، وارتفاع متوسط الأعمار، وتسارع التغيرات الاقتصادية، فرضت إعادة تعريف هذا المفهوم. فالمتقاعد اليوم لم يعد بالضرورة شخصًا عاجزًا عن العطاء، بل غالبًا ما يكون خبيرًا راكم معرفة عميقة لا تُكتسب عبر التعليم النظامي وحده. واقتصاديًا، تشير تجارب دول مثل اليابان وألمانيا وكندا إلى أن إقصاء كبار السن عن المشاركة المعرفية يؤدي إلى فجوات مهارية، وخسارة رأس مال بشري يصعب تعويضه. وفي المقابل، فإن إشراكهم في التدريب، والاستشارة، والعمل الجزئي، ساهم في نقل المعرفة بين الأجيال، وخفّف من آثار الشيخوخة السكانية، ورفع كفاءة المؤسسات. وما يميز المتقاعدين عن غيرهم ليس فقط عدد سنوات العمل، بل نوعية التجربة.، والتجربة تعني فهم السياق، وتقدير العواقب، والقدرة على اتخاذ قرارات متزنة في أوقات الأزمات، وهي عناصر لا يمكن اختصارها في دورات تدريبية أو شهادات أكاديمية. في المؤسسات الكبرى، خصوصًا في القطاعات الحيوية كالصناعة والطاقة والإدارة العامة والتعليم والصحة، تبرز الحاجة إلى من عاشوا التحولات، وشهدوا الأزمات، وشاركوا في بناء السياسات. هؤلاء يشكّلون ذاكرة مؤسسية إذا لم تُحفظ، تكررت الأخطاء، وضاعت الدروس. «احترام الخبرات» وتتجه كثير من الشركات العالمية إلى إنشاء برامج الخبراء المتقاعدين، حيث يُستدعى الموظفون السابقون لتقديم الاستشارات، أو تدريب القيادات الشابة، أو المشاركة في تقييم المشاريع الاستراتيجية. والنتيجة ليست فقط رفع جودة الأداء، بل أيضًا ترسيخ ثقافة احترام الخبرة والاستفادة منها. والمشهد السعودي فرصة تاريخية لإعادة تعريف الدور في المملكة. وتكتسب قضية توظيف خبرات المتقاعدين أهمية مضاعفة. فالمملكة تمر بمرحلة تحول كبرى في ظل رؤية 2030، تتطلب تراكُمًا معرفيًا، واستمرارية في نقل الخبرة، وتقليل الفجوة بين الأجيال داخل القطاعات المختلفة. والمملكة تمتلك آلاف المتقاعدين من قيادات حكومية سابقة، معلمين وأكاديميين، مهندسين وفنيين، وعسكريين وأمنيين، وإداريين وخبراء اقتصاد وتنمية، وهؤلاء سبق وشاركوا في بناء الدولة الحديثة، وإدارة مؤسساتها، وتطوير بنيتها التحتية. وتجاهل هذه الكتلة المعرفية يعني البدء من الصفر في كل مرحلة، بينما استثمارها يعني تسريع الإنجاز وتقليل الأخطاء. وقد بدأت بعض المبادرات تظهر، سواء عبر العمل التطوعي المنظم، أو المجالس الاستشارية، أو البرامج المجتمعية، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من المبادرات الجزئية إلى السياسات العامة المستدامة. والتحول الجوهري المطلوب هو الانتقال من مفهوم رعاية المتقاعد إلى تمكين المتقاعد. والرعاية تركز على الاحتياجات الأساسية، بينما التمكين يفتح المجال أمام المشاركة الفاعلة. والتمكين يعني إتاحة فرص العمل المرن أو الجزئي، وإشراك المتقاعدين في التدريب والإرشاد، والاستفادة منهم في اللجان الاستشارية، وكذلك دعم مشاريعهم الريادية الصغيرة، ودمجهم في العمل التطوعي المتخصص. وهذا التحول لا يخدم المتقاعد وحده، بل يخدم المجتمع ككل. فالدراسات الاجتماعية تشير إلى أن مشاركة كبار السن في أنشطة ذات معنى تقلل من مشاعر العزلة، وترفع من جودة الحياة، وتنعكس إيجابًا على الصحة النفسية والجسدية، مما يقلل أيضًا من أعباء الرعاية الصحية على الدولة. «بعد إنساني» ورغم أهمية العائد الاقتصادي والمعرفي، فإن البعد الإنساني يبقى في صلب القضية، فالمتقاعد الذي يشعر بأن خبرته لا تزال مطلوبة، وأن المجتمع يقدّره، يحتفظ بإحساسه بالقيمة والكرامة، وهذا الشعور ينعكس على أسرته، ومحيطه، ونظرته إلى الوطن. والمجتمعات التي تُقصي كبارها، تُضعف رابط الانتماء، بينما المجتمعات التي تحتفي بخبراتهم، ترسّخ قيم الوفاء والاستمرارية. وهذا البعد القيمي يكتسب أهمية خاصة في المجتمعات ذات البعد الثقافي العميق، مثل المجتمع السعودي، الذي يقوم على احترام الكبير، وتقدير الحكمة، والاعتزاز بالتجربة. والمعرفة حين تتحول إلى أثر، المعرفة وحدها لا تكفي إذا بقيت حبيسة الذاكرة. والتحدي الحقيقي هو تحويلها إلى أثر ملموس. وهذا يتطلب أطرًا مؤسسية واضحة مثل: منصات وطنية لخبرات المتقاعدين، وقواعد بيانات للمهارات والتجارب، وبرامج ربط بين الخبراء والجهات المحتاجة، وسن تشريعات مرنة تتيح الاستفادة دون تعقيد. وعندما تُدار هذه العملية بذكاء، تتحول الخبرة إلى قوة ناعمة داخل المجتمع، وتصبح المعرفة جسرًا بين الماضي والمستقبل، لا عبئًا يثقل الحاضر. ويعد الإنسان قيمة مستدامة لا تنتهي بتغير المرحلة في نهاية المطاف، ولا تُقاس قوة الدول بما تملكه من موارد فقط، بل بقدرتها على استثمار الإنسان في كل مراحله العمرية. والمتقاعد ليس صفحة طُويت، بل فصل جديد يمكن أن يُكتب بحكمة ووعي. والمجتمعات التي تفهم أن الإنسان لا تنتهي قيمته بانتهاء الوظيفة، بل تتجدد بتجدد الدور، هي مجتمعات قادرة على بناء مستقبل متوازن، يجمع بين حيوية الشباب، ورصانة الخبرة، وعمق التجربة. وفي السياق السعودي والعالمي، يبقى الرهان الحقيقي هو هل نملك الشجاعة للانتقال من ثقافة الإحالة إلى التقاعد، إلى ثقافة إعادة الاكتشاف؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مصير فئة عمرية، بل شكل المجتمع بأكمله، وقدرته على تحويل تراكم السنين إلى رصيد للمستقبل، لا ذكرى من الماضي.