وزارة الداخلية تشارك في معرض الدفاع العالمي 2026 بحلول تقنية تستشرف مستقبل الأمن    مربط "العرب" يفرض هيمنته على منصات التتويج في مهرجان الأمير سلطان بن عبد العزيز العالمي للجواد العربي 2026    وسط حضور نخبوي.. "ثقافة صبيا" يحتفي ب "فينيق الرواية السعودية: عبده خال"    أجاويد 4 تستعد للانطلاق في عسير بمعسكر تأهيلي ولقاء مع أمير المنطقة ورئيس هيئة تطويرها    الجدعان: الأسواق الناشئة تقود النمو العالمي والمملكة تدعم الاستقرار    سوكبا تمهل المكاتب المهنية 20 يوما لمعالجة ملاحظات الفحص الدوري    استشهاد فلسطينية وإصابة آخرين بنيران جيش الاحتلال في قطاع غزة    56 بطلا على حلبات الرياض في ختام بطولة حزام المملكة للملاكمة    "سبيس إكس" الأمريكية تُطلق 25 قمرًا صناعيًا إلى الفضاء    مصر توقع "أكبر صفقة" في تاريخ قطاع الاتصالات بقيمة 3.5 مليار دولار    إصدار التقرير الأول لسجل السرطان الخليجي للفترة 2020-2013م    موجة ضباب على المنطقة الشرقية    أمانة نجران تغلق مخبزاً مخالفاً    «التوعية بالظواهر الجوية» يزيد ثقافة الوقاية    «بيئة حائل» تكثف جولاتها الرقابية على الأسواق والمسالخ استعداداً لرمضان    ضبط 20237 مخالفًا    منتدى الإعلام.. يواكب عالمًا يتشكّل    5000 منشط دعوي في مكة    إمام المسجد النبوي: الدعاء لُبُّ العبادة وجوهرها    «دار رعاية نفسية» في جدة.. حاجة مجتمعية    الخلود يهزم الشباب.. التعاون والقادسية يعادلان الخليج والفتح    بحث "قيم راسخة لحياة أفضل" على طاولة ملتقى القيم الإسلامية.. غداً    الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن جرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»    تقارير.. كونسيساو غاضب من ادارة الاتحاد    وفد الكشافة يطمئن على القوقاني    رابطةُ العالم الإسلامي تُدين التفجيرَ الإرهابيَّ الذي استهدفَ مسجدًا في إسلام آباد    بسبب«الهواتف» انتحار 3 شقيقات    «آبل» تحذر من هجوم عبر رسائل مزيفة باسمها    وسط تعثر المفاوضات.. موسكو تقصف منشآت الطاقة في كييف    ضبط 1455 حالة لممنوعات بالمنافذ    «دعم» تؤهل قيادات تطوعية    رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء في خدمة الوطن.. أمراء يؤدون صلاة الميت على محمد السويلم    اتفاقيات نوعية تعكس التعاون في مختلف المشاريع.. السعودية وسوريا.. مرحلة جديدة من الشراكة الاستثمارية    موجز    السعودية تترأس مجلس منظمة التعاون الرقمي لعام 2027.. «إعلان الكويت».. التزام مشترك بتحقيق تحول رقمي شامل    تحت رعاية الأمير عبدالعزيز بن سعود.. نائب وزير الداخلية المكلف يشهد حفل تخريج الدفعة ال (7) من الدورة التأهيلية للفرد الأساسي (نساء) بكلية الملك فهد الأمنية    أوستن مقر الأخضر السعودي في كأس العالم 2026    انطلاق «المؤتمر الآسيوي».. الكريديس: السعودية تقود حراكاً عالمياً للاستثمار في الموهوبين    3 حالات تسمح للجمعيات الأهلية بتجاوز أهدافها    حادث يدخل الفنانة نهال القاضي في حالة حرجة    التعادل يخيم على لقاء القادسية والفتح    القيادة تهنئ الحاكم العام لنيوزيلندا بذكرى اليوم الوطني    مختص يحذر من أطعمة ترفع سكر الدم    خبراء يحذرون من مخاطر السجائر الإلكترونية    بحضور قيادات رياضية.. تتويج الأبطال في ختام بطولة مهد الجيل القادم    رحلات الزوجات تشعل نقاش المساحة والراحة الأسرية في جدة    مبادرة التحلل من النسك    الظلم... طريق الهلاك    دعم الإمارات للدعم السريع يفاقم أزمة السودان واستمرار القتل والعبث    انطلاق منافسات النسخة الحادية عشرة من مسابقة أمير الرياض لحفظ القرآن بشقراء    الجزائر تبدأ إلغاء اتفاقية خدمات النقل الجوي مع الإمارات    تجمع جازان الصحي يحقق إنجازًا طبيًا غير مسبوق في عمليات القلب بالمنطقة    أستراليا تطلق تجربة سريرية رائدة لعلاج أورام الدماغ لدى الأطفال    قائد قوات الدفاع الجوي يرعى حفل تخرج معهد الدفاع الجوي    أمير الرياض يستقبل سفير الكويت    جلوي بن عبدالعزيز: العمل الخيري في المملكة قائم على البذل والعطاء والتكافل    أمير منطقة جازان وسمو نائبه يعزّيان عريفة قبيلة السادة النعامية بالعالية في وفاة والدته    نائب أمير جازان يعزي شيخ شمل السادة الخلاوية وتوابعها في وفاة والده    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شبكة من المهارات والمعرفة
نشر في الرياض يوم 15 - 01 - 2026

لم يعد التقاعد في المفهوم التنموي الحديث محطة ختام لمسيرة العمل، بقدر ما أصبح نقطة تحول نحو دور جديد لا يقل أهمية عن سنوات الخدمة الوظيفية. ففي زمن تتسارع فيه المتغيرات الاقتصادية وتتعمق فيه الحاجة إلى الكفاءة المؤسسية، تبرز خبرات المتقاعدين بوصفها رصيدًا معرفيًا متراكمًا لا يمكن تجاوزه أو التفريط فيه. هؤلاء الذين أمضوا عقودًا في مواقع العمل، واكتسبوا فهمًا عميقًا للأنظمة والبيئات التشغيلية، يشكلون اليوم إحدى أهم الطاقات الكامنة القادرة على الإسهام في تطوير الأداء المؤسسي وصناعة القرار.
ويأتي الاستثمار في خبرات المتقاعدين كمسار تنموي يعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمؤسسة بعد نهاية الخدمة الرسمية، من خلال تحويل التقاعد من مرحلة انسحاب تدريجي إلى فضاء إنتاج معرفي واستشاري. فالمعرفة التي يحملها المتقاعد ليست مجرد معلومات نظرية، بل حصيلة تجارب عملية، ومواقف إدارية، وتحديات تم تجاوزها، ما يجعلها معرفة تطبيقية ذات قيمة عالية في بيئات العمل التي تسعى إلى الاستدامة والابتكار.
وفي ظل التوجهات الحديثة نحو رفع كفاءة الإنفاق وتعظيم الاستفادة من الموارد البشرية، بات استثمار هذه الخبرات خيارًا استراتيجيًا، يساهم في تقليص فجوات المعرفة، ودعم الأجيال الوظيفية الجديدة، وتعزيز استمرارية العمل المؤسسي دون انقطاع أو فقدان للخبرات. كما يفتح هذا التوجه آفاقًا جديدة أمام المتقاعدين أنفسهم، عبر إشراكهم في أدوار استشارية وتدريبية، تحفظ لهم مكانتهم المهنية، وتمنحهم مساحة فاعلة لمواصلة العطاء.
ومع تزايد الاهتمام ببناء اقتصاد قائم على المعرفة، تتقدم تجربة توظيف خبرات المتقاعدين كأحد النماذج القادرة على الربط بين الماضي المهني والحاضر المؤسسي، بما يحقق توازنًا بين التجديد والاستفادة من التجربة، ويؤسس لثقافة عمل ترى في التقاعد بداية مرحلة جديدة من الإسهام، لا نهاية لدور مهني طويل.
خبرة مستمرة ومساهمة فعالة
يشكّل تمكين المتقاعدات من مواصلة العطاء المهني والاستشاري بعد التقاعد أحد الركائز التنموية التي تعيد تعريف مفهوم التقاعد ذاته، بوصفه انتقالًا من دور تنفيذي يومي إلى دور معرفي أعمق وأكثر تأثيرًا. فالمتقاعدة لا تغادر المشهد المهني بخروجها من الوظيفة الرسمية، بل تحمل معها تراكمًا طويلًا من الخبرات العملية، والمهارات الإدارية، والمعرفة المؤسسية التي تشكّلت عبر سنوات من العمل في قطاعات حيوية مثل التعليم، والصحة، والإدارة العامة، والعمل الاجتماعي، والتقني. هذا الرصيد المعرفي، إذا لم يُستثمر، يتحول إلى فجوة صامتة داخل المؤسسات، ويؤدي إلى خسارة خبرات يصعب تعويضها في المدى القصير.
ويمثّل فتح المسارات المهنية المرنة أمام المتقاعدات خطوة محورية في تحويل الخبرة النسائية إلى قيمة مستدامة، حيث تتيح الأدوار الاستشارية، والعمل الجزئي، وبرامج التوجيه المهني، والتدريب، والمشاركة في اللجان المتخصصة، فرصًا حقيقية لنقل المعرفة وتبادل الخبرات بين الأجيال الوظيفية. فوجود المتقاعدة في موقع استشاري لا يثقل الهيكل الوظيفي، بقدر ما يعزّز كفاءته، من خلال تقديم الرأي، وتصويب المسار، والمساهمة في صناعة القرار، استنادًا إلى فهم عميق لتفاصيل العمل وتحدياته الواقعية.
وعلى المستوى المؤسسي، يسهم تمكين المتقاعدات في تعزيز الاستقرار المعرفي داخل الجهات الحكومية والخاصة، ويحدّ من فقدان الذاكرة التنظيمية التي غالبًا ما تصاحب الإحالات الجماعية للتقاعد. كما يدعم هذا التوجه بناء بيئات عمل أكثر توازنًا، تستفيد من الخبرة الطويلة دون أن تعيق فرص التمكين الوظيفي للأجيال الجديدة، في إطار تكاملي يربط بين الخبرة والتجديد. وفي المقابل، يوفّر للمتقاعدة شعورًا بالاستمرارية المهنية، ويعزّز حضورها بوصفها عنصرًا فاعلًا ومنتجًا، لا مرحلة انتهى دورها.
أما على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، فإن تمكين المتقاعدات من مواصلة العطاء ينعكس بشكل مباشر على جودة الحياة، ويعزز مفهوم الاستقلالية المهنية بعد التقاعد، من خلال إتاحة مصادر دخل إضافية، أو أدوار تطوعية احترافية ذات أثر ملموس. كما يسهم في إعادة تشكيل الصورة النمطية عن التقاعد النسائي، وينقلها من خانة الانسحاب إلى خانة المشاركة الواعية، القائمة على الاختيار والقدرة والخبرة. ويتقاطع هذا التوجه مع مستهدفات التنمية الوطنية في بناء اقتصاد قائم على المعرفة، وتعظيم الاستفادة من رأس المال البشري، وتعزيز مشاركة المرأة في مختلف مراحل دورة العمل، بما يرسّخ مفهوم التمكين المستدام، ويؤكد أن العطاء المهني لا تحدّه مرحلة عمرية، بل تحدده القدرة على الإسهام وصناعة الأثر.
رصيد مستمر للعطاء المؤسسي
على مدار سنوات عمل طويلة، بنت المرأة السعودية رصيدًا معرفيًا ومهاريًا هائلًا في مجالات القيادة والإدارة والتعليم والصحة، وهو رصيد يمثل ثروة حقيقية قابلة للاستثمار في مسارات التنمية الوطنية. هذه الخبرات المتراكمة لم تقتصر على المهام اليومية أو الروتين الوظيفي، بل شملت القدرة على اتخاذ القرار في أوقات الحسم، إدارة فرق متعددة التخصصات، التعامل مع تحديات معقدة، وتقديم حلول مبتكرة. في القيادة والإدارة، أثبتت المرأة قدرتها على تحقيق التوازن بين رؤية استراتيجية وتنفيذ فعّال، وإدارة الموارد البشرية والمادية بكفاءة، بما يضمن استدامة الأداء المؤسسي.
أما في قطاع التعليم، فقد أسهمت سنوات الخدمة الطويلة في تشكيل كوادر قادرة على نقل المعرفة بطرق فعالة، وتطوير المناهج التعليمية بما يتوافق مع متطلبات العصر، إضافة إلى قدرتها على تهيئة بيئة تعليمية داعمة ومشجعة للطلاب والطالبات على حد سواء. وفي القطاع الصحي، تراكمت خبرات نسائية لا يمكن قياس أثرها فقط بعدد الحالات أو البرامج، بل تمتد إلى تحسين جودة الرعاية، تطوير الإجراءات الطبية، وتنظيم فرق العمل، بما يعكس دورها المحوري في رفع مستوى الخدمات الصحية للمجتمع.
إن الاستفادة من هذه الخبرات المتراكمة لا تعني مجرد توظيفها في أدوار رسمية تقليدية، بل تتعدى ذلك إلى خلق منصات عمل استشارية وتوجيهية، تسمح للمرأة بإعادة إنتاج خبرتها بطريقة استراتيجية، ونقل المعرفة للأجيال الجديدة من القيادات والكوادر الشابة. فوجود نساء ذوات خبرة في هذه المواقع يوفّر إحاطة شاملة بالقرارات، ويزيد من مرونة المؤسسات في التعامل مع المتغيرات، كما يحدّ من فقدان الخبرة المؤسسية عند خروجها من المناصب التنفيذية.
علاوة على ذلك، تمثل هذه الخبرات المتراكمة مصدرًا للتجديد والإبداع داخل المؤسسات، حيث يمكن استثمارها في تطوير السياسات، ابتكار الحلول، والمساهمة في التخطيط الاستراتيجي طويل المدى. كما أن مشاركة المرأة في هذه المجالات بعد التقاعد أو ضمن أدوار استشارية تعزز فكرة استدامة العطاء المهني، وتؤكد أن الخبرة لا ترتبط بعمر محدد، بل بإمكانات العقل والقدرة على المبادرة والتأثير.
وفي السياق الأوسع، يعكس هذا التوجه فهمًا عميقًا لأهمية الاستفادة القصوى من رأس المال البشري الوطني، ويواكب أهداف التنمية المستدامة ورؤية المملكة 2030، التي ترى في تمكين المرأة وتوظيف خبرتها رافدًا أساسيًا لتحسين كفاءة المؤسسات، وزيادة الإنتاجية، وتعزيز التنافسية على المستوى المحلي والعالمي. من هنا، تتحول الخبرة النسائية المتراكمة إلى عنصر استراتيجي لا يمكن تجاوزه، ومورد معرفي يثري المؤسسات ويقودها نحو نمو أكثر استقرارًا وشمولية.
إن النظر إلى الخبرة النسائية على أنها ثروة مستمرة وليست مرحلة مكتملة عند التقاعد يعكس تحولًا ثقافيًا وإداريًا مهمًا، ويؤسس لفكر مؤسسي يعتمد على التراكم المعرفي، ويعيد تعريف الدور النسائي في القطاعات الحيوية بحيث يكون قائدًا، مستشارًا، وموجّهًا للأجيال المقبلة، لا مجرد منفّذ للمهام اليومية. وفي كل خطوة تُستثمر فيها هذه الخبرة، تتجلى قيمة رؤية استراتيجية واضحة، وحرص على تكامل الأدوار، وضمان استدامة الأداء المؤسسي مع الاستفادة من عقول وطاقات نسائية أثبتت جدارتها على مدار عقود.
المتقاعدات.. مصدراً للإرشاد والتوجيه المهني
وفي الواقع، أثبتت تجارب عدة في القطاعات الحيوية نجاح الاستفادة من الخبرات النسائية بعد التقاعد، حيث ساهمت قياديات متقاعدات في إعادة تصميم استراتيجيات مؤسسات تعليمية، وتدريب كوادر صحية على الإجراءات الحديثة، وتعزيز كفاءة فرق الإدارة الحكومية، بما يوضح أن العطاء المستمر بعد التقاعد ليس مجرد فكرة نظرية، بل واقع يمكن قياس أثره على مستوى الأداء المؤسسي. وفي الوقت نفسه، أسهمت هذه التجارب في خلق بيئات عمل أكثر ديناميكية وتكاملاً، حيث أصبحت المتقاعدات مصدراً للإرشاد والتوجيه المهني، يربط بين الأجيال الجديدة والخبرة المكتسبة على مدى سنوات طويلة. فقد تمكنت النساء اللواتي واصلن العطاء بعد التقاعد من نقل أساليب إدارة متقدمة، وأفضل الممارسات العملية، وحلول مبتكرة لمشكلات معقدة، بما يعزز القدرة المؤسسية على مواجهة التحديات المستقبلية. كما ساهمت مشاركتهن في تعزيز ثقافة التعاون والتعلم المستمر داخل المؤسسات، إذ لم تعد الخبرة مقتصرة على موقع وظيفي أو مرحلة عمرية، بل أصبحت جزءًا من عملية التطوير المؤسسي المستدام، تُستثمر في بناء كفاءات جديدة وتوجيه القرارات الاستراتيجية بشكل أكثر فاعلية.
وتشير هذه النتائج إلى أن الاستثمار في خبرات المتقاعدات لا يعود بالنفع على المؤسسة فحسب، بل يمتد أثره إلى المجتمع بشكل أوسع، من خلال تعزيز الاستقلالية المهنية للمرأة، وتمكينها من الاستمرار في العطاء، وتأكيد قيمتها كعنصر فعال في التنمية، بحيث تتحول مرحلة ما بعد التقاعد من مرحلة انسحاب إلى مساحة للإبداع والتأثير، يزداد فيها حضورها وفاعليتها في رسم السياسات، وصناعة القرار، وصقل المهارات المهنية للأجيال القادمة.
ويضاف إلى ذلك البعد الاقتصادي والاجتماعي لهذه التجربة، إذ يساهم تمكين المتقاعدات في زيادة الإنتاجية، وتحسين جودة الخدمات، وفتح مجالات جديدة للإبداع والتطوير، كما يعكس تقدير المجتمع لدور المرأة، ويعزز استقلاليتها المهنية بعد التقاعد، ما يجعلها شريكًا حقيقيًا في التنمية الوطنية وليس مجرد متلقية لدور محدود.
كما أن لهذا التمكين أثرًا مباشرًا على الاقتصاد الوطني، من خلال الاستفادة المثلى من رأس المال البشري وتقليل الفاقد المعرفي الذي قد يحدث عند خروج الكفاءات المؤهلة من سوق العمل. فوجود المتقاعدات في أدوار استشارية وتدريبية يسهم في رفع كفاءة المؤسسات، وتسريع وتيرة تطوير المشاريع، وإدخال حلول مبتكرة تعتمد على الخبرة العملية، ما يعزز تنافسية القطاعات المختلفة ويجعلها أكثر استعدادًا لمواجهة التحديات المستقبلية. وعلى المستوى الاجتماعي، يعكس استمرار مشاركة المتقاعدات في العمل احترام المجتمع للخبرة والمعرفة، ويعيد تشكيل الصورة النمطية للتقاعد، فتصبح مرحلة جديدة للإسهام الفعّال بدلاً من الانسحاب، كما يمنح المرأة فرصة للبقاء في صدارة المشهد المهني، ونقل التجربة المكتسبة للأجيال الجديدة، وتأكيد دورها كعنصر أساسي في التنمية المستدامة، بما يرسّخ مفهوم أن العطاء لا يتوقف بتوقف المنصب الرسمي، بل يستمر بالخبرة والإبداع والرغبة في صنع أثر حقيقي وملموس.
تطوير المؤسسات ورفع كفاءتها
لقد أصبح من الواضح أن التقاعد لم يعد نهاية مسار العمل، بل بداية مرحلة جديدة يمكن فيها للمتقاعدين، وبخاصة النساء، تحويل خبراتهم وتجاربهم المتراكمة إلى قيمة فعلية للمؤسسات والمجتمع على حد سواء. فالسنوات الطويلة التي قضتها المرأة في مواقع القيادة والإدارة والتعليم والصحة لم تترك أثرًا مؤقتًا، بل بنت شبكة من المهارات والمعرفة والتجارب التي تُمثل اليوم كنزًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله. هذه الخبرات لا تتعلق فقط بالمهام اليومية أو الروتين المؤسسي، بل تشمل القدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، إدارة الفرق المتنوعة، التعامل مع التحديات المعقدة، وصياغة الحلول المبتكرة، ما يجعلها عنصرًا حيويًا لتعزيز كفاءة المؤسسات ودعم استمرارية الأداء المؤسسي دون فجوات أو انقطاع.
إن تحويل هذه الخبرات إلى أدوار استشارية أو تدريبية أو قيادية مرنة يسمح للمرأة بالاستمرار في العطاء المهني والمعرفي، ويضمن أن يظل حضورها فعالًا في صناعة القرار وإعادة صياغة الاستراتيجيات بما يتوافق مع متطلبات العصر. ومن خلال هذا النهج، تتحقق الاستفادة المثلى من رأس المال البشري الوطني، ويتم الحفاظ على الذاكرة المؤسسية، ويتم ربط الماضي المهني بالحاضر المؤسسي بشكل استراتيجي ومدروس. كما يتيح هذا التمكين للمتقاعدات شعورًا بالاستمرارية، ويعكس احترامًا لتجاربهن ومسؤولياتهن السابقة، ويعزز مشاركتهن بوصفهن شريكات فاعلات في التنمية وليس فقط متلقيات لدور محدد.
على الصعيد الاجتماعي، يعكس هذا التوجه أيضًا فهمًا جديدًا لدور المرأة بعد التقاعد، إذ يتم نقل الصورة النمطية التقليدية عن الانسحاب إلى صورة أكثر شمولية وفاعلية، حيث تستمر المرأة في تقديم الخبرة، والمعرفة، والتوجيه، والقيادة، بما يضمن تكامل الخبرات بين الأجيال، ويعزز تماسك المؤسسات ويزيد من مرونتها أمام المتغيرات. وبذلك، تتحول مرحلة ما بعد التقاعد إلى مساحة للإبداع والمعرفة الاستراتيجية، وهي مرحلة تستند إلى أسس موضوعية، ولا تعتمد على الحظ أو الصدفة، بل على التخطيط والتقدير المدروس لإمكانات وخبرات المتقاعدين.
ولا يقتصر أثر هذه الخبرات على المؤسسات وحدها، بل يمتد إلى البعد الاقتصادي والاجتماعي، إذ يعزز تمكين المتقاعدين والمتقاعدات الإنتاجية، ويرفع جودة الخدمات، ويفتح أبوابًا للإبداع والتطوير المستمر، كما يعكس احترام المجتمع للخبرة ويؤكد استقلالية المرأة المهنية بعد التقاعد، ويجعلها عنصرًا أساسيًا في التنمية الوطنية. هذا التمكين يضمن أن العطاء لا ينتهي بانتهاء المنصب الرسمي، بل يستمر بالإمكانات والقدرات المكتسبة، وبالقدرة على التأثير وصنع القرار، ما يحول مرحلة ما بعد التقاعد إلى مساحة للإبداع والتأثير الاجتماعي والمعرفي.
ومع رؤية المملكة 2030 وتوجهها لبناء اقتصاد معرفي قائم على الكفاءة والابتكار، يصبح استثمار خبرات المتقاعدين والنساء على وجه الخصوص ضرورة استراتيجية، ليس فقط لتعظيم الاستفادة من الموارد البشرية، بل لتطوير المؤسسات ورفع كفاءتها، وضمان قدرتها على المنافسة محليًا ودوليًا، وصناعة بيئة عمل تحافظ على التراكم المعرفي وتستفيد من العقول والخبرات المتراكمة. وفي كل خطوة يتم فيها دمج الخبرة السابقة مع الحاضر المؤسسي، تتجلى قيمة التمكين الحقيقي، الذي يرى التقاعد كمرحلة انتقالية للغد، وليس نهاية للمسار الوظيفي، حيث تستمر المرأة في الإسهام في رسم السياسات، وتقديم التوجيه، وبناء أطر العمل المؤسسية المستدامة، وهو ما يعكس تحولًا ثقافيًا وإداريًا عميقًا. وفي نهاية المطاف، يبرز بوضوح أن الخبرة والمعرفة لا تحدها سنوات العمر أو المنصب الوظيفي، بل تحددها القدرة على المبادرة والإبداع والإسهام الفعّال. ومن هنا، فإن تحويل التقاعد إلى مرحلة إنتاج معرفي واستشاري، وتمكين المتقاعدين والمتقاعدات من مواصلة العطاء، لا يمثل مجرد فكرة تطويرية، بل نموذجًا عمليًا لمستقبل مؤسساتي متكامل، يربط بين الخبرة والتجديد، بين الماضي والحاضر، ويؤسس لثقافة عمل متقدمة ترى في كل متقاعد أو متقاعدة قيمة فاعلة، وقوة قادرة على صنع الأثر المستدام في المجتمع والمؤسسات على حد سواء. كما يعكس هذا التوجه فهمًا استراتيجيًا لأهمية رأس المال البشري، ويؤكد أن الكفاءة المؤسسية والاستدامة العملية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال دمج الخبرات المتراكمة مع الطاقات الجديدة، وخلق بيئة عمل تتسم بالشمولية والتكامل بين الأجيال. وعلاوة على ذلك، فإن الاستمرار في العطاء بعد التقاعد يعكس رسالة واضحة للمجتمع بأن المعرفة والتجربة ليستا محددتين بعمر أو منصب، بل بالإرادة والرغبة في المساهمة، ما يرسخ قيمًا جديدة للتمكين، والاحترام المهني، والمشاركة الفاعلة في التنمية الوطنية، ويجعل كل متقاعد أو متقاعدة عنصرًا أساسيًا في رسم مستقبل المؤسسات والمجتمع على حد سواء، بما يضمن استدامة الأداء المؤسسي ويحقق أثرًا ملموسًا يستمر لأجيال قادمة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.