يشهد الذهب موجة صعود لافتة أوصلته إلى أعلى مستوياته في نحو سبعة أسابيع، وهو تطور أراه انعكاسًا طبيعيًا لتلاقي عاملين رئيسيين لطالما شكّلا محركات أساسية لسعر المعدن الأصفر: توقعات خفض أسعار الفائدة الأمريكية وتصاعد تدفقات الملاذ الآمن في بيئة عالمية تتسم بارتفاع مستوى عدم اليقين. ومن وجهة نظري، فإن هذا الارتفاع لا يمكن اعتباره حركة فنية عابرة، بل هو تعبير عن إعادة تسعير تدريجية لمخاطر الاقتصاد العالمي والسياسة النقدية الأمريكية في آن واحد. ووفقاً لرانيا جول كبير محللي الأسواق في XS.com - منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA): جذب الذهب بعض المشترين مع بداية الجلسة الأوروبية اليوم الاثنين، وهو أمر أفسّره على أنه مؤشر على عودة شهية التحوط لدى المستثمرين المؤسساتيين، خصوصًا مع اقتراب أحداث اقتصادية مفصلية. عادة ما تعكس التداولات الأوروبية المبكرة المزاج العام للأسواق قبل صدور البيانات الأمريكية، وفي هذه الحالة يبدو أن المتعاملين يفضلون التمركز في الذهب استباقيًا تحسبًا لأي مفاجآت محتملة. وبرأيي، هذا السلوك يعكس حذرًا مدروسًا أكثر من كونه اندفاعًا مضاربيًا، وهو ما يمنح الصعود الحالي قدرًا من المصداقية. والدعم الرئيسي للذهب يأتي بلا شك من توقعات خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي خلال العام المقبل. فانخفاض أسعار الفائدة يقلل من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، وهو أصل لا يدر عائدًا، ما يجعله أكثر جاذبية مقارنة بالسندات أو أدوات الدخل الثابت. وفي تقديري، الأسواق بدأت تستبق دورة تيسير نقدي تدريجية، حتى وإن كان الفيدرالي حريصًا في خطابه العلني على إبقاء نبرة حذرة. هذا التباين بين الخطاب الرسمي وتوقعات السوق هو ما يغذي التقلبات ويدعم الذهب في المدى القصير والمتوسط. في المقابل، لا يمكن تجاهل أثر التصريحات المتشددة لبعض مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي خلال الأسبوع الماضي، والتي حدّت جزئيًا من اندفاع الذهب عبر دعم الدولار الأمريكي. تاريخيًا، قوة الدولار تشكل عامل ضغط على السلع المقومة به، ومنها الذهب. إلا أنني أرى أن هذا الضغط قد يكون مؤقتًا، لأن السوق بات أكثر حساسية للبيانات الفعلية مقارنة بالتصريحات. المستثمرون يدركون أن أي تشدد لفظي غير مدعوم بأرقام قوية من سوق العمل أو التضخم لن يكون كافيًا لتغيير المسار العام للتوقعات النقدية. وتتجه الأنظار حاليًا إلى خطابات مسؤولي الفيدرالي مثل ستيفن ميران وجون ويليامز، لكن التأثير الأكبر، من وجهة نظري، سيكون لبيانات الوظائف غير الزراعية الأمريكية لشهري أكتوبر ونوفمبر المرتقبة يوم الثلاثاء. وهذه البيانات، إلى جانب متوسط الأجور بالساعة ومعدل البطالة، ستوفر صورة أوضح عن متانة سوق العمل الأمريكي. إذا أظهرت الأرقام تباطؤًا ملموسًا، فأعتقد أن ذلك سيعزز رهانات خفض الفائدة ويدفع الذهب لاختبار مستويات أعلى. أما في حال جاءت البيانات قوية، فقد نشهد تصحيحًا محدودًا، لكنه لن يغيّر الاتجاه الصاعد الأساسي في رأيي. والأحداث الجيوسياسية الأخيرة تلعب أيضًا دورًا لا يمكن التقليل من شأنه. التقارير عن حادث إطلاق النار الجماعي في سيدني وما رافقه من توترات سياسية واجتماعية أعادت إلى الواجهة دور الذهب كملاذ آمن في أوقات الاضطراب. ومن خبرتي في متابعة الأسواق، غالبًا ما لا يكون تأثير هذه الأحداث فوريًا أو طويل الأمد بمفرده، لكنه يتراكم مع عوامل أخرى ليعزز الطلب على الأصول الآمنة، خاصة في فترات هشاشة الثقة العالمية. وقرار الاحتياطي الفيدرالي الأخير بخفض سعر الفائدة للمرة الثالثة هذا العام، وإشارات جيروم باول إلى أن البنك المركزي بات في "وضع مريح"، يعكسان مرحلة انتقالية في السياسة النقدية. برأيي، هذا الوضع المريح يعني أن الفيدرالي يملك هامش مناورة، لكنه في الوقت ذاته يقر ضمنيًا بأن ذروة التشديد النقدي قد أصبحت خلفنا. الأسواق، بطبيعتها الاستباقية، تلتقط هذه الإشارات بسرعة وتعيد تسعير الأصول وفقًا لها، والذهب من أكثر المستفيدين من هذا التحول. كما أن توقعات الأسواق التي تشير إلى احتمال مرتفع للإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة في يناير المقبل لا تتعارض، في تحليلي، مع النظرة الإيجابية للذهب. فالثبات بحد ذاته، بعد سلسلة من الرفع والتشديد، يُعد عامل دعم غير مباشر للمعدن النفيس. وما يهم الذهب ليس فقط الخفض الفعلي، بل نهاية مرحلة التشديد وبداية مرحلة الانتظار والترقب، وهي بيئة تاريخيًا ما تكون مواتية له. وفي ضوء كل ما سبق، أتوقع أن يحافظ الذهب على نظرته الإيجابية خلال الفترة المقبلة، مع احتمالات تسجيل مستويات أعلى إذا جاءت بيانات الوظائف دون التوقعات أو تصاعدت المخاطر الجيوسياسية. ومع ذلك، يجب على المستثمرين الحذر من التقلبات قصيرة الأجل، لأن الطريق لن يكون خطيًا. ومن وجهة نظري، الذهب لا يصعد فقط بسبب عامل واحد، بل نتيجة مزيج معقد من السياسة النقدية، والبيانات الاقتصادية، والمخاطر العالمية، وهذا ما يجعله اليوم مرة أخرى في صدارة المشهد المالي كأداة تحوط استراتيجية وليست مجرد أصل مضاربي.