إن موت الكاتب في الصحافة ليس حدثاً عابراً، بل علامة على تحوّلٍ ثقافي كبير؛ تراجع مكانة العقول التي تشرح وتفكّك وتبني، مقابل صعود مصادر سائلة تُغري بخفّتها وسرعتها، لكنها تهدم المعنى ولا تقيم بديلاً. في زمنٍ قريبٍ لا يزال صدى حروفه حاضراً في الذاكرة، كان الكاتب الصحفي أشبه بمنارةٍ تقف عند طرف الوعي؛ ضوءٌ لا يكتفي بسرد الخبر، بل يغوص في طبقاته، يكشف مكنونه، ويمنح القارئ بصيرةً تجعل من الورق نافذةً على ما وراء الأحداث. كان الكاتب صوتاً يُؤتمن، وعقلاً يُحتكم إليه، ولساناً يُصغي المتلقي إلى صريره كما يُصغي إلى حكيمٍ يفسّر له العالم. وكانت المقالة الصحفية رقعة الحوار الأوسع، فيها يشكو الناس، وعن طريقها يلتفت المسؤول، وبحضورها كانت الفكرة تُصبح قضية، والقضية تتحول إلى فعل؛ لكن الأزمنة تتبدّل، ومياه الإعلام تتغيّر مجاريها، وسفن الوعي لم تعد ترسو عند ذات المرافئ. تراجع الكاتب شيئاً فشيئاً، حتى صار وجوده في الصحافة أشبه بظلّ باهت لمجده القديم. كنت تقرأ مقالاً فتشعر أنه يطلب إذناً بالعبور، وأن تأثيره الذي كان يُحرّك الرأي العام ويقلب المواجع ويضيء الزوايا، وتلقى التجاوب والتواصل ساخنًا، واليوم قد انكمش حتى لم يعد يتجاوز حدود الصفحة التي كُتب عليها. لقد كانت للكاتب هيبة المعرفة العميقة، واللغة التي تُهذّب العقل، والجرأة التي تُوقِف المتغافل وتُوقظ النائم. وعمق الإحساس بمسؤولية الكلمة حين كانت الكلمة تُغيّر مجرى النقاش العام. أمّا اليوم، فقد تقلّصت هذه المساحة حتى أصبحت في كثير من المواضع مجرّد صدى بعيد لزمنٍ لم يعد الجمهور يعيش إيقاعه. حلّت اللحظة التي تغيّر فيها ميزان التأثير. لم يعد المتلقي ينتظر الكاتب ليُفسّر له الواقع، ولا يبحث عن العمود الصحفي ليُفسّر ما غمض. لقد جرى خلف مصادر أخرى: سائلة، ومشرّعة؛ لا جذور لها ولا ظلال، لكنها أسرع، أخفّ، تطرق عليه بابه كل ثانية. منصّات، مقاطع، خيوط كلام متشابكة بلا عُمق ولا سياق، لكنها وفيرة ومُلحّة، تقدّم وهماً بالشبع الفكري دون أن تمنح غذاءً حقيقياً. هذه المصادر السائلة لم تأتِ من رحم الصحافة ولا من صرامة التحرير، بل من فوضى الفضاء العام، فصارت بديلة للكاتب الذي تربّى على مناهج المعرفة والانضباط. صار الجمهور ينهل منها كأنها الحقيقة، وباتت هي مرجعه في الفهم والوعي والتحليل. فلا عجب أن يتضاءل دور الكاتب في زمنٍ يستبدل البُحيرة الهادئة بسيلٍ متدفق لا يعرف أين يبدأ ولا أين ينتهي. وهكذا، مات الكاتب في الصحافة؛ لم يمت جسداً، بل حضوراً. مات الدور الذي كان يصنع الفارق، مات العمق الذي كان يحرس المعنى، مات الصوت الذي كان يعلو فوق الضجيج ليقول الحقيقة كما هي، بلا تزويق ولا تهويل. وماتت معه تلك اللحظة التي ينتظر فيها القارئ مقالاً جديداً كما ينتظر رسالةً تُبدّل نظرته للعالم. وفي المقابل، عاش المصدر السائل.. عاش في جيوب الجميع، في أصابع الجميع، في تدفقٍ لا ينقطع، يقدّم رأياً قبل أن يفهم، ويصنع ضجيجاً قبل أن يتأمل، ويقود وعياً هشّاً يتشكل بكمية ما يُستهلك، لا بجودة ما يُفهم. عاش لأنه أسرع، لأنه يصرخ بدل أن يحلّل، ولأنه يُناور العقول بسطحياتٍ تُشبِع العين ولا تُغذي الفكر. والمؤسف أن هذا العصر لم يعد يميّز بين من يبني رأياً ومن يصرّف كلاماً، بين من يقدّم رؤية وبين من يعيد تدوير ضوضاء، بين من يضيء طريقاً وبين من يكتفي بإشعال شررٍ يتلاشى قبل أن يصل إلى أي مكان. إن موت الكاتب في الصحافة ليس حدثاً عابراً، بل علامة على تحوّلٍ ثقافي كبير؛ تراجع مكانة العقول التي تشرح وتفكّك وتبني، مقابل صعود مصادر سائلة تُغري بخفّتها وسرعتها، لكنها تهدم المعنى ولا تقيم بديلاً. ومهما بدا المشهد واضحاً، سيظل في الذاكرة طيفٌ لذلك الكاتب الذي كان -يوماً ما- قنديل الصحافة وضمير القارئ وميزان الفكرة. لكن الطيف، مهما كان جميلاً، لا يُنير طريقاً. وهكذا.. مات الكاتب في الصحافة، وعاش المصدر السائل؛ بينما بقي الوعي نفسه يبحث عمن يأخذه من يد الضجيج ويعيده إلى ضوء المعنى.