حين يتقاطع الأدب مع الإعلام، يخرج الخطاب من دائرة التوصيل إلى فضاء التأثير، ومن حدود الكلمة إلى أفق الوعي. في أمسية حملت في طياتها مزيجًا من الفكر والتأمل، استضاف مقهى السبعينات مساء أمس الإعلامي والأديب عبد الله الحسني، مدير تحرير صحيفة «الرياض»، في لقاء بعنوان: «من التلقي إلى التأثير: الأديب والوعي الإعلامي»، ضمن سلسلة برامجه الثقافية التي تهدف إلى إثراء المشهد الفكري السعودي وتعزيز التواصل بين النخبة المثقفة والجمهور. بين العزلة والتفاعل.. استهل الحسني الأمسية باستعادة المشهد الأدبي في مراحله الأولى، حين كان الكاتب يعيش في عزلته الفكرية، محاطًا بورقته وقلمه، منتظرا قارئاً مجهولًا في زمن كانت فيه الكلمة تمضي ببطء نحو المتلقي. وبين الحسني: كان الأديب يعيش في عزلة، أما اليوم فالنص ينتظر المتلقي، والقارئ أصبح ناقدًا، والمستمع شريكًا، والمشاهد صانع محتوى. التأثير الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين، بل باللحظة التي يتحول فيها المستمع إلى مفكر والمشاهد إلى متأمل. وأوضح أن هذا التحول لم يكن مجرد تبدل في أدوات الاتصال، بل هو انعكاس لتغير فلسفة التواصل الإنساني ذاتها، حيث أصبح التفاعل قيمة جوهرية في صناعة المعنى، وأضحى المتلقي عنصرًا فاعلًا لا مجرد متأمل صامت. «الأدب والإعلام» علاقة الوعي والتأثير.. تناول الحسني العلاقة بين الأديب والإعلامي بوصفها علاقة تكامل لا تناقض، مشيرًا إلى أن الأديب حين يكون إعلاميًا، فإنه يمتلك قدرة مضاعفة على توظيف الكلمة لخدمة الفكر والهوية، ونقل صورة المملكة للعالم بصورة أكثر عمقًا وصدقًا. وقال الحسني: حين يكون الأديب إعلاميًا، يوظف أدواته الفكرية والثقافية لخدمة وطنه، وينقل صورة مشرقة عن المملكة والإنسان السعودي، ليصبح جزءًا من الوعي الجمعي الذي يبني ويضيء. لقد أثبتنا أن المملكة بلد حضارة متجذرة في قيمها وثقافتها، قادرة على نشر الجمال والمعرفة أينما وصلت. وأضاف الحسني: إن الوعي الإعلامي في جوهره ليس فن الإقناع فقط، بل هو عملية مستمرة من إدراك المسؤولية تجاه المتلقي، وتجاه الوطن الذي تتشكل صورته من خلال الكلمات والمشاهد والسرديات التي تروى عنه. وعي جديد في المشهد الثقافي.. وشهدت الأمسية حضورًا نوعيًا من رموز الصحافة السعودية من مختلف الأجيال، وعدد من الأدباء والمهتمين بالشأن الثقافي، الذين شاركوا في حوار مفتوح حول التحولات التي تشهدها المملكة في فضاء الوعي الجمعي، ودور الأدب والإعلام في دعم الحراك الثقافي والفكري الذي تعيشه البلاد اليوم. وتنوّعت المداخلات بين من رأى أن الأدب هو الرافعة الأعمق لبناء الوعي الإنساني، ومن أكد أن الإعلام أصبح اليوم منصة للأدب الحديث، يقدّمه للناس بلغة العصر وأدواته. تصدير الثقافة من المحلية إلى العالمية.. وختم الحسني حديثه بالتأكيد على أن المملكة لم تعد فقط تتلقى الثقافة من الخارج، بل أصبحت تصدر فكرها وقيمها للعالم بلغة الفن والإبداع، وقال: نحن اليوم نصدر الثقافة السعودية، لا باعتبارها خطابًا رسميًا، بل بوصفها تعبيرًا إنسانيًا نابعًا من جذورنا وهويتنا. تأثير الوعي عملية تراكمية تنمو بالمعرفة والصدق والتأمل، وهي مسؤولية كل مثقف وإعلامي يعي أن الكلمة نور وأن الصورة رسالة. بين الماضي والمستقبل.. في ختام الأمسية، وقف الحضور بين الحنين لبدايات الكلمة في الصحف الورقية، وإعجابهم بما وصلت إليه اليوم من تفاعل رقمي جعل القارئ شريكًا في صناعة المحتوى. ليغدو «الوعي الإعلامي» ليس مجرد مصطلح، بل تجربة ثقافية تتسع بقدر ما يتسع الأفق الإنساني، وتجعل من الأدب والإعلام معًا جسرًا يصل الفكر بالحياة. وتأتي هذه الفعالية ضمن سلسلة لقاءات ينظمها مقهى السبعينات بالشراكة مع الشريك الأدبي، في إطار جهودهما لدعم الحراك الثقافي وترسيخ مكانة المملكة في تصدير ثقافتها وفكرها إلى العالم. تكريم الزميل عبدالله الحسني