قاص وناقد ومفكر، ورغم تخصصه في المسرح إلا أن السرد يشده ويستهويه منذ نعومة أظفاره، الدكتور حسن النعمي علامة فارقة في القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً، يؤكد في هذا الحوار على أن هناك أدباء كتبوا أكثر من جنس أدبي ونجحوا فيهم جميعاً، ويستشهد على ذلك بالقصيبي الذي كتب الشعر والرواية ونجح فيهما، وأن الأجناس الأدبية تعتبر تنويعاً في القول الأدبي والتعبير عن الذات المبدعة بأساليب مختلفة، في هذا الحوار سنلقي الضوء على عدد من النقاط التي تم التوقف حولها: * لو حدثتمونا بشكل مختصر عن كتابكم الشعر للانتصارات والسرد الهزيمة، وكيف ينعكس بذلك واقعاً على الإنتاج الإبداعي العربي من خلال دراستكم؟ * كتابي الشعر للانتصار والسرد للهزيمة قراءة في جدل الخطاب الشعري والسردي في تراثنا، وهذه المقولة (الشعر للانتصار والسرد للهزيمة) تأويل لحالة سادت في ثقافتنا العربية، فالشعر حضر في تراثنا العربي بقوة، وشكل الوجدان العام وشكل فضاء الخطابات الثقافية والسياسية، حتى أُطلقت مقولة (الشعر ديوان العرب)؛ بوصفه حاملاً ثقافياً واجتماعياً أكثر من كونه مكوناً جمالياً. وتزامن حضور الشعر في لحظة انتصار الأمة وزهوها، لكن بعد أن انكسرت الأمة منذ سقوط بغداد في عام 656 هجرية، بدأ الشعر يخفت ويتراجع، فكأن حضوره ارتبط بانتصار الأمة، في المقابل كانت فنون السرد العربي تعيش على هامش الخطاب الثقافي العربي، بل واجه السرد تحديات ثقافية ودينية وسياسية لأنه كان صوتاً شعبياً بالغ التأثير، في حين كان الشعر صوت النخب الثقافية، وفي ظل تراجع دور الشعر بعد انكسار الأمة وهزائمها وتشتت وحدتها، بدأ السرد العربي يغذي الوجدان العام ويلعب دور الباعث والمؤازر للذات العربية، فظهرت السرديات الكبرى في لحظة انكسارات وهزائم الأمة، مثل ألف ليلة وليلة والسير الشعبية، وغيرها من فنون الحكي. فمع هذه الحالة من الهزيمة كان السرد هو فن الأمة الذي كان يغذي الوجدان العربي العام، ولأن الأمة في حالة انكسار فما زالت إلى يومنا هذا فالسرد بأشكاله المختلفة كالرواية القصة والسينما والمسرح هو الحاضر والمهين في الخطاب الثقافي العربي، وكما قيل سابقاً إن الشعر ديوان العرب لدوره الثقافي، يقال الآن إن (الرواية ديوان العرب الحديث)، والمقولتان تنبعان من ذات المتخيل الذي يرى الفنون مجرد حامل ثقافي، لكن لمسايرة هذا التصور رأيت أن خطاب الشعر حضر عندما كانت الأمة منتصرة، والعكس صحيح حضر السرد عندما حلت الهزائم بالأمة، فهي جديلة تؤكد اشتباك الفنون مع واقعها الإنساني والحضاري وتأثرها بالتحولات والانتصارات والانكسارات الحادة. * ما الفروقات بين الأجناس الكتابية، خصوصاً إذا ما عرفنا أن لكم تجارب إبداعية في أكثر من جنس؟ * الأجناس الأدبية هي تنويع القول الأدبي والتعبير عن الذات المبدعة بأساليب مختلفة ودون حدود الأجناس، فالفنون جميعها منطلقها ذاتي، وهناك أدباء يكتبون أكثر من لون أدبي وينجح فيها، فالقصيبي مثلاً كتب الشعر والرواية ونجح فيهما، وفي روايته العصفورية تداخل إجناسي بين الشعر والسرد بطريقة مذهلة، وهناك تجارب كثيرة مازجت بين الأجناس الأدبية، وليس هذا الأمر جديداً، ففي تراثنا تمازج الشعر مع القصة، وكتب الأدب فيها الكثير من شواهد العلاقات الممكنة بين الشعر والسرد، ويكفي أن نقرأ كتاب الأغاني للأصفهاني، هذا السفر العظيم لندرك هذا التداخل البليغ. * أين حسن النعمي الناقد، وهل ترى أن النقد الأدبي ءخذ اتجاهاً مغايراً في الفترة الأخيرة؟ * تجربتي في النقد ممتدة منذ صدور كتابي رجع البصر قراءات في الرواية السعودية في عام 2004م إلى كتابي سبع سنبلات مقاربات في السرد القرآني 2021م، وقد وجهت اهتمامي لدراسة الرواية السعودية، ودراسة التكوينات الأولى لتراثنا السردي، أي دراسة الظاهرة السردية وربطها بالسياقات والتحولات التاريخية، والنقد هو مقاربة الأعمال وفق مناهج محددة، ومنه ما هو متابعة المنشور من الإبداع وهذا أقرب للنقد الانطباعي الذي يقدم الحس على النظر الفلسفي في تكوين النصوص وهذا يشيع كثيراً فيما ينشر في الصحف، وهو نقد جيد ويؤدي دوره في استقبال النصوص الإبداعية، وهناك نقد الدراسات وهو ما يُمارس في الجامعات من خلال بحوث الأستاذة أو رسائل الطلاب العلمية، وهناك نقد له صفة شمولية؛ وهو قراءة الظواهر الإبداعية وربطها بالسياقات الثقافية، وأنا أميل إلى هذا اللون من النقد أكثر، وهو عبارة عن أسئلة فلسفية ذات طبيعة حجاجية تذهب إلى أبعد من التسليم بالمسلمات والمقاربات الجاهزة. * ماذا عن مشاريعكم الجديدة، بعد كتابكم الأخير؟ * أعمل الآن على إكمال نصوص المنامات، وهي تجربة سردية مختلفة، قوامها المنامات الشخصية الفعلية، ثم أتلقط تشظيها وأعيد بناءها على شكل القصة القصيرة جداً مراعياً بقاء عجائبية الأحلام ومفارقاتها، ومن المشاريع التي أعمل عليها جمع حواراتي في الصحف وغيرها من الوسائل التي تعود إلى عام 1984م، وإصدارها في كتاب، وهي بمثابة سيرة فكرية تظهر فيها وقائع الحياة الثقافية في المملكة، ولا شك أن تجربتي الخاصة تتقاطع مع السياقات الثقافية لتشكل مراجعة للواقع الثقافي في المملكة. الشعر للانتصار والسرد للهزيمة النعمي غلاف