تروج تركيا بأن مناخها خصب للاستثمار، الأمر الذي دفع الفلسطيني زكي مبارك وصديقه سامر شعبان لتجربة حظيهما، قبل أن ينقلا أسرتيهما للعيش معهما، فاتجها نحو إسطنبول بغية الاستثمار في مجال الاستيراد والتصدير، الذي يعمل فيه زكي مبارك في بلغاريا. وصل زكي ورفيقه بداية ابريل 2019م، وبعد مرور ثلاثة أيام اختفى أثرهما من فندق ويت هاوس بإسطنبول، ليتضح الأمر بعد 16 يوماً، حيث أعلنت السلطات التركية في 19 أبريل 2019م القبض عليهما بتهمة التجسس، وأودع في سجن «سيليفري»، وكان التناقض الواضح في البيانات التركية دافعاً ليعين زكريا -شقيق زكي- محامياً لحضور التحقيقات مع زكي، حيث بدت تركيا منذ الوهلة الأولى مشوشة ولا تملك المعلومة الكاملة عن زكي مبارك، فبعد أن اتهمته بالتجسس لصالح دولة خليجية، عادت لتنفي ذلك وتتهمه بالتجسس لصالح أحد رجالات حركة فتح الفلسطينية، ولم تستطع تقديم المسوغات المقنعة بذلك.وبعد عدة أيام بشّر المحامي ذوي زكي مبارك أنه لا يوجد قضية أو اتهامات على زكي، ولا يوجد أي اعتراف رسمي موقع، وسيتم الإفراج عنه بكفالة في 30 أبريل 2019م، وقبل الموعد المحدد بيومين، كانت الصدمة، حيث أصدرت السلطات التركية بياناً يفيد بانتحار زكي مبارك في زنزانته الانفرادية شنقاً! تشريح جثمانه كشف تعرضه للتعذيب وسرقة أعضائه ولم يجد البيان التركي أي قبول من ذوي زكي أو حتى المتلقين، الذين شككوا في الرواية التركية بإمكانية أن يكون زكي مات مقتولاً من آثار التعذيب، وهو ما أكّده مماطلة الحكومة التركية في تسليم الجثمان لمدة زادت عن أسبوعين، الأمر الذي دفع زكريا -شقيق زكي- للتشكيك باحتمالية رغبة الأتراك بتحلل الجثمان قبل تسلميه، وفي 13 /5/ 2019 قررت تركيا إرسال الجثمان إلى ذويه في مصر. قدم ذوي زكي مبارك طلباً رسمياً للسفارة الفلسطينية بمصر لتشريح الجثمان ومعرفة أسباب الوفاة التي غابت عن الشهادة التركية، في حين وصلت الجثة في حالة تشوه تام، وأظهر التشريح تجمعاً دموياً خلف الرأس وقطعاً في الحاجب والصدر والبطن، بالإضافة لآثار كسور واضحة في اليدين، وأظهر التشريح أنّ الجثة بعد تسليمها لم يكن بها قلب أو كبد أو لسان أو حتى بلعوم! عائلة زكي مبارك بعد أنّ دفنت جثمانه تعهدت بملاحقة المسؤولين الأتراك عن موت ابنها، وقالت إنها سترفع قضية في محكمة العدل الدولية في لاهاي ضد المتورطين بقتله، بمن فيهم الرئيس أردوغان، وطالبت الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، والحكومة التركية، بتشكيل لجنة تحقيق دولية لمعرفة تفاصيل ما جرى. ولم تكن قصة زكي مبارك الوحيدة التي شهدها سجن سيليفري، المعروف ب «مسلخ أردوغان»، حيث أسسه الرئيس التركي بعد أن وصل إلى السلطة، ليكون مكباً للمعتقلين، الذين أدانتهم السلطات التركية بموجب قانون الإرهاب، والذي كان سوط أردوغان لضرب معارضيه منذ مسرحية الانقلاب 2016م، إذ بلغ عدد المعتقلين 240 ألف تركي مقابل 52 ألفًا قبل سيطرة حزب العدالة والتنمية على مقاليد الحكم في تركيا. ولم تكن قصة زكي مبارك الوحيدة في سجن سيلفري، حيث شهد العديد من حالات الوفاة المريبة، والتي دائماً ما تقيد على أنّها انتحار للسجناء، كما يتعرض فيه السجناء إلى تجاوزات عديدة، كمنعهم من إجراء أي نوع من الاتصال مع أسرهم أو أصدقائهم أو محاميهم، وحرمانهم من استقبال عائلاتهم، ووضعهم في غرف مظلمة لأشهر متواصلة، وضربهم وصعقهم بالكهرباء، أو حتى زيادة الطاقة الاستيعابية للزنزانة، فضلًا عن نقص الخدمات الطبية والصحية المقدمة للمعتقلين.