منذ أن وُعينا في هذه الدنيا، ونحن نقرأ ونسمع عن الحب والعشق والغرام، حتى وإن كان البعض لا يحرص على قراءتها، يجد عباراتها مكتوبة على جدران البيوت، وفي الشوارع والطرقات، وخاصة على جدران المدارس. هناك من يقول: "الحب كله نعيم"، وهناك من يقول: "الحب عذاب"، تضاربت المشاعر، حتى إن كوكب الشرق أم كلثوم تقول: "حب إيه اللي إنت جاي تقول عليه". وقِس على هذا المنوال قصص مجنون ليلى، وكُثيّر وعزّة، وعنترة وعبلة... أبيات حفظتها الذاكرة، تتحدث عن الحب والهيام وشتى أنواع الغرام. كتب فيها الشعراء معلقات وأشعارًا، وألّف البعض عنها الكتب والمجلدات. لم أكن أعلم أنها مجرد أوهام... حتى وقفتُ البارحة على قصة حب حقيقية تمثّلت في كلمتين فقط: "حبيبي راح". من هو الحبيب؟ ومن هي العاشقة المغرمة؟ إنها شابة كانت ترافق والدها في قسم الطوارئ بأحد المستشفيات. سكون المكان لا يُسمع معه إلا صوت الأجهزة الطبية وتخطيط القلب، حتى انطلق ذلك الصوت من جوار أحد الأسرّة... شابة تبكي وتصرخ في حالة من الحزن، صُعقت بوفاة والدها، وخرجت تصيح في الممرات: "حبيبي راح..." فأحزنَت من حولها. خرج الجميع ينظر إليها، عاملات النظافة مسحن دموعهن وتوقفن عن العمل، المدير الطبي وحراس الأمن يراقبون الموقف بحزن، وعمّ قسم الطوارئ صمتٌ إنساني يوجع القلب. وسط هذا المشهد تساءلت: كيف يمكن مساعدتها في مصابها؟ اخترت الدعاء لها بالصبر، وتذكرت عندها معنى قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ). وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم بما معناه: "الصابرون يدخلون الجنة بغير حساب." وأيقنتُ يقينًا عميقًا أن الله عز وجل ما اختار هذه الكرامة والمنزلة لعباده إلا لأنه يعلم عمق جراحهم، وأنه يكافئهم على ابتلاءات الفقد ومصائب الحياة بدخول الجنة بلا حساب. حين يستشعر المبتلى هذا الأجر العظيم، يخف ألمه، وتهون عليه مصيبته، مقابل الجزاء الكبير. كم من الدروس في هذه الآية، وفي هذا الحديث... وهل أدركنا حقًا مدى محبة الله لنا؟ وكيف يشعر بنا؟ وكيف يقف معنا في لحظات الانكسار؟ ختامًا... "حبيبي راح" ليست مجرد صرخة في ممر طوارئ، بل أعظم قصة حب عشتها مساء البارحة، ويعيشها كل بيت فقد عزيزًا. وأختم بمقولة والدي -رحمه الله- حين كان يتأمل الموت، والذين فقدناهم، ويحدّثني عن مصيرنا القادم: "يا عبدالله... الله يعيننا على حزن بعض." "حبيبي راح" نرددها مع الشابة المكلومة؛ فهي ليست صرخة فتاة واحدة، بل جملة يرددها كل من حمل في قلبه حبيبًا رحل... ويا كثرهم في حياتنا؛ الأب، والأم، والابن، والأخ، والأخت، وكل قريبٍ سكن القلب ولم يغادره يومًا. نسأل الله أن يربط على قلبها، وأن يعظم أجرها، وأن يدخلها وإيانا الجنة بلا حساب.