لا شك أن لكل واحد منا معرض للخطأ بغير قصد سواء في كلمة أو موقف معين وهذه طبيعة بشرية، فكل بن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، ولهذا جاءت الحاجة إلى الاعتذار، وهذا السلوك لا يفعله إلا العظماء من الناس، كما أنه يرفع من شأن صاحبه وينال به الكثير من الحب والألفة من الناس، ويقوى من العلاقات الاجتماعية لدى الفرد بينه وبين الآخرين نظرًا لثقتهم فيه. وإذا كان الاعتذار من شيم الأبرار، فإن قبول الاعتذار وعدم رده لهو من خلق المؤمنين الأخيار، فقبول الاعتذار يحض الناس على الاعتذار متى أخطأوا، وبقبول الاعتذار يزيدك الله رفعة وعزا، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ »، فقبول الاعتذار والصفح واجب، لأنه من خلق المؤمنين، قال الله تعالى في وصف المؤمنين (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-« إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ »، والألد الخصم هو: (المبالغ في الخصومة، فلا يعتذر، ولا يتقبل الاعتذار). قال الحسن بن علي: لو أن رجلاً شتمني في أذني هذه، واعتذر إلي في أذني الأخرى، لقبِلت عُذره. وفي رأيي بأن المبادرة بالاعتذار عند الخطأ في وقته والإسراع في معالجته، قد يكون سبباً مباشرة في حفظ العلاقات ودوام المحبة، فكم من بيوت وأسر تهدمت وانقطعت أواصرها، لا لأجل أن الخلاف كان كبيرا ولكن لأن الاعتذار تأخر وبالتالي كبرت المشكلة وتعاظمت، وزاد الشرخ في العلاقة الزوجية فكان من الصعب حلها مع مرور الشهور وربما السنوات؟ فالحياة أقصر من أن تهدر في زعل طويل، وأثمن من أن تهدر في خلافات بسيطة؟ وما أجمل قول أبي الدرداء رضي الله عنه لزوجته: "إذا غضبت فأرضيني، وإذا غضبت رضيتك، فأن لم نكن هكذا ما أسرع ما نفترق". وقد نقل عن أبن حبان قوله: الاعتذار يذهب الهموم ويجلي الأحزان، ويدفع الحقد، ويذهب الصدأ. وأعتقد بأن الاعتذار لا ينقص من قدر الشخص شيئاً كما يظن البعض، بل يزيده رفعة ومكانة عند الناس. وأتذكر بهذا الخصوص مقولة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشهيرة: "أصابت امرأة وأخطأ عمر". ومن المهم التأكيد بانه عندما تَشيع ثقافة الاعتذار وقبوله يعمُّ الحب والسلام، وتسود فيه العلاقات الطيبة بين أفراد المجتمع. وفي نظري أن الاعتذار ليس مجرد كلمة تقال؟ مثل كلمة آسف فقط بل هو إقرار بالمسؤولية، ودليل نضج وشجاعة، ولا يجرح كرامتك، بل يجعلك كبيراً بعين من أخطأت بحقه. والاعتذار الصادق والصريح سبب في بقاء الود والاحترام والعشرة الطيبة مع الاخرين. وَقَصَّ عَلَيْنَا القُرآنُ الكَرِيمُ مَوقِفًا لاعتِذَارِ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فِي مَوقِفٍ مَعَ رَجُلٍ كَفِيفٍ هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الذِي جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلِّمْنِي، وَكَانَ مَعَهُ عَدَدٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَدْعُوهُمْ لِلإِسْلاَمِ، وَيَرْجُو بإِسْلامِهِمْ خَيْرًا كَثِيرًا. فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ معاتباً لرسوله الكريم سُورَةَ (عَبَسَ) في اول السورة َمن قوله تَعَالَى:(عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) إلى قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى)، فَمَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلاَّ أَنِ اعتَذَرَ لابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَرَاحَ يَحْتَضِنُهُ قَائِلاً: مَرْحَبًا بِمَنْ عَاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي. وتذكر دائماَ بأن الاعتذار إذا كان ثقيلاً على نفسك، فإن الإساءة على نفوس الآخرين أثقل، ولا بد من التنبيه في هذا الصدد بان الاعتذار لا يعني أنك دائماً مخطئ، ولكنه يعني بأنك تقدر علاقتك بالآخر أكثر من انتصارك لذاتك. وأخيراً لا بد من القول إنه لا جدوى لقبلة اعتذار على جبين ميت غادر الحياة، وفي لحظتها تدرك حينها وبعد فوات الأوان أن جميع الخلافات كانت أتفه من استمرارها.