إلى أستاذي وصديقي، العالِم والمؤرِّخ الكبير البروفيسور، إيلبر أورتايلي -رحمه الله- بلغني اليوم، عبر صديقنا العزيز إرشاد هرمزلو، نبأ رحيلكم، وقد علم ما لكم في نفسي من تقديرٍ عميقٍ ومكانةٍ، وما أقسى أن يُنادى التاريخ اليوم على أحد رجاله الكبار. لقد عرفتكم معلِّمًا واسع المعرفة، عميق النظر، يجمع بين صرامة الباحث ورهافة الإنسان، وقد لبَّيتم دعوتي يومًا، رغم ما كانت تفرضه عليكم صحتكم من مشقة، فكان ذلك درسًا آخر في خُلُق العلماء، وفي أن الرسالة التي يحملونها أكبر من وهن الجسد. وقد صدق ابن خلدون إذ قال: «فنّ التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشدّ إليه الركائب والرحال»، ومنذ ذلك الحين نشأت بيننا علاقةٌ قوامها الاحترام الفكري والمودة الصادقة.. التقيت بكم مرارًا، مع نخبةٍ من العلماء؛ تارةً في أروقة الأرشيف العثماني، حيث تنبض الوثائق بذاكرة القرون، وتارةً على مقربةٍ من قصر توبكابي، حيث يقف التاريخ شاهدًا على تحولات الإمبراطوريات وتعاقب الحضارات. وتوالت لقاءاتنا، وكان آخرها في إسطنبول قبل أشهر، يوم حصولي على جائزة الإنسانية العالمية، حيث شرفتموني بحضوركم الكريم. يومها شعرت أن صحتكم لم تعد كما عهدتها، غير أن هيبة العالم فيكم ظلّت كما عرفتها دائمًا: وقارٌ يليق بمن عاش عمره بين صفحات الزمن، وكنت على موعد لزيارتكم في داركم في غاليبولي على مضيق الدردنيل، حيث يمتد أثر ذلك المكان في التاريخ الإنساني، غير أن مشيئة الله سبقت. واليوم، برحيلكم، يفقد عالم التاريخ أحد أعمدته، غير أن العلماء -كما يعلمنا التاريخ نفسه- لا يغيبون تمامًا؛ فهم يمضون بأجسادهم، وتبقى أفكارهم حيّة في وجداننا.. رحمكم الله رحمةً واسعة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.