في شهر أيلول سبتمبر 1929، حين وقف مصطفى كمال يتأمل منطقة "القرن الذهبي" انطلاقاً من شرفة منزل صديقه علي فتحي في حي بويوكدير المشرف على البوسفور، تساءل كثير من الحضور عن الامر الذي يشغل بال مؤسس تركيا الحديثة في تلك اللحظة. كانت عينا الغازي متجهتين مباشرة صوب ذلك القصر المنيف المتعدد المباني والذي يعرف باسم توبكابي أي باب المدفع. كثيرون اعتقدوا يومها ان مصطفى كمال يتأمل القصر متذكراً الماضي وقد عاد الى ذهنه ان هذا القصر بالذات هو الذي يضم الباب الذي كان، ذات يوم، يرمز الى عظمة تركيا وجبروتها ومكانتها في العالم: الباب العالي. غير ان الذين وصلهم بعد سنوات قليلة من تلك العشية قرر مصطفى كمال بتحويل "توبكابي سيراي" الى متحف تاريخي، ادركوا ان ذلك بالتحديد ما كان مصطفى كمال يفكر فيه: كان همه الاجابة على سؤال اساسي هو، كيف تحول هذا التاريخ العثماني الذي لا يزال يداعب المخيلات، الى متحف، نضعه في وهدة الذكريات وننساه بعد ان نجعل منه مجرد مكان يتجول فيه السواح ويبكي فيه المتحسرون على الماضي وقد ادركوا ان كل تلك العظمة صارت مجرد تحف جميلة رائعة معروضة امام الأعين المبهورة، مسجونة في خزائنها. عندما اتخذ مصطفى كمال في العام 1932 قراره بتحويل قصر توبكابي الى متحف، قال كثيرون ان الامبراطورية ماتت اليوم حقاً. ذلك ان توبكابي كان لا يزال يرمز الى عظمة الماضي والى حضوره في اذهان الكثيرين. كان انغلاق ابواب القصر على اجنحته وغرفه الداخلية يعني شيئاً يشبه الانتظار: انتظار ان يعاد فتح تلك الابواب ذات يوم ليتدفق عبرها، من الخارج الى الداخل، كما من الداخل الى الخارج، ذلك التاريخ العريق الذي نسفه الغازي عبر اقامته دولته الحديثة. ولكن، لئن كان مصطفى كمال قد اتخذ قراره التاريخي في ذلك العام الذي سبق رحيله بسنوات قليلة، فإن توبكابي اضطر لأن ينتظر عقوداً اخرى من السنين، قبل ان تكتشف هوليوود ذلك القصر / المتحف وتجعل واحداً من اشهر افلامها ذات احداث تدور من حول سرقة جوهرة ثمينة فيه، قبل ان يكتشف العالم كله روعة ذلك المكان، ويبدأ السواح الاقبال عليه مدهوشين فرحين. اليوم يعتبر "توبكابي" من اشهر معالم اسطنبول السياحية. وليرات قليلة تكفي السائح للتوغل في عالم كان سر الاسرار ذات يوم، ومقر الحكم، ومهجع الحريم. مكان كانت منه تنطلق تلك القرارات التي كان من شأن بعضها ان يغير سياسة العالم. على رغم ان اسطنبول تعتبر واحدة من اجمل مدن العالم، وعلى رغم ان ما يصنع جمال اسطنبول، انما هو قصورها ومعالمها التاريخية ولا سيما مساجدها الرائعة، فإن توبكابي يعتبر، حتى في هذا العالم الفسيح استثناء. ذلك لأن هذا القصر يكاد وحده ان يلخص عظمة وتاريخ سلاطين بني عثمان. وعلى الاقل منذ البداية وحتى العام 1853 حين قرر السلطان عبدالمجيد ان ينقل مركز الحكم الى قصر "دولما بهجة" الجديد. قبل ذلك، ومنذ محمد الثاني حتى عبدالمجيد، ظل سلاطين بني عثمان جميعاً، يقيمون في "توبكابي سيراي" ومنه يحكمون امبراطوريتهم الفسيحة. وهكذا، سلطان بعد سلطان، ومرحلة بعد مرحلة، راح ذلك القصر يتوسع ويمتلئ بالتحف والذكريات ما جعله اشبه بسجل لتاريخ تلك الامبراطورية الحافل. وزائر "توبكابي" اليوم، المتجول بين اجنحته وغرفه وقاعاته، لا يفوته ان يلاحظ هذا الامر، حتى وإن كان من الصعب عليه، وسط فوضى التنظيم والعشوائية في عرض التحف، ان يتابع ذلك التاريخ مرحلة مرحلة. وتوبكابي، كان في الاصل مجرد باب من ابواب اسطنبول يطل على بحر مرمرة، وسط السور الذي كان يحمي المدينة. وعند ذلك الباب كان العثمانيون الاوائل قد نصبوا مدفعاً ولأن المدفع في التركية يعني "توب" كان من الطبيعي ان يطلق على ذلك الباب اسم "توبكابي" باب المدفع. وكانت البداية حين أنشأ أحمد الثالث 1703 - 1730 وراء ذلك الباب قصراً صيفياً. وهو القصر نفسه الذي دمره حريق هائل في العام 1863. ومنذ أحمد الثالث راحت مباني القصر الحالي تتزايد وقد أنشئ معظمها في المكان الذي كان يشغله اكروبول بيزنطة القديمة على واحدة من أجمل تلال اسطنبول السبع. وكانت هذه التلة، اصلاً، مغطاة بأشجار الزيتون، ومن هنا لا يزال يطلق على المنطقة حتى اليوم اسم الزيتونة زيتوناك. وروعة المنطقة الاساسية تكمن في ان التلة تطل في الوقت نفسه على بحر مرمرة كما على قرن الذهب. واليوم تبلغ المساحة الاجمالية للقصر 70 ألف متر مربع، وهو محاط بأسوار يبلغ طولها 1400 متر بني معظمها في العام 1478 حيث التقت بالاسوار البيزنطية القديمة التي كانت تحمي المدينة. وللامعان في الحماية اقيمت على طول الاسوار أبراج مراقبة قائمة حتى اليوم. ولكن اذا كانت مباني القصر قد ازدادت عدداً وروعة مع مرور القرون، فإنها كانت ايضاً تدمر وتزول في فترات اخرى، بحيث انه في عصر محمد الثاني لم يكن قد بقي من آثار القصر القديم سوى الجناح المسمى "تشينللي كيوسك"، القائم اصلاً خارج مساحة القصر في مواجهة ما يسمى اليوم بالمتحف الاركيولوجي الذي بات يشكل جزءاً منه. أما توبكابي في شكله الحالي، فيتألف من سلسلة من المباني المستقلة عن بعضها البعض مساكن، اجنحة، صالات استقبال، مكتبات، حمامات، مطابخ، مخازن، مساجد... الخ، وهي موزعة من حول افناء واسعة، تواصل بناؤها حتى اواسط القرن التاسع عشر. اما المدخل الرئيسي للقصر فهو عبر الباب المسمى "باب همايون" والذي عرفه العالم كله باسم الباب العالي، وهو يفتح خلف آيا صوفيا، الكنيسة البيزنطية الرائعة التي حوّلها محمد الثاني الى مسجد، ثم حوّلها مصطفى كمال الى متحف للفن البيزنطي. وفي مواجهة الباب العالي توجد نافورة أحمد الثالث، التي بنيت بأسلوب يجمع بين عظمة الاسلوب العثماني وفن الركوكو الاوروبي. والفناء الذي اقيمت فيه النافورة تعلوه خمس قباب. وهو يفضي الى ساحة الاسلحة التي تفصل بين الباب العالي والباب المركزي. وفي هذه الساحة بالذات تتراكم اسوأ ذكريات القمع العثماني، ولا سيما ذكريات تمرد الانكشارية. من هناك حين يعبر المرء الفناء الثاني يجد نفسه وقد دخل المباني الاساسية التي يتألف منها القصر، وأهمها صالة المجلس التي يفترض ان يكون المعماري العثماني الاكبر سنان هو الذي صممها. او على الاقل صمم نسختها القديمة التي دمرها حريق في العام 1665، ثم أعيد بناؤها ايام أحمد الثالث وزوّدت بثلاث قباب ما جعلها تحمل اسم "كوبيالتي" اي تحت القباب، ويعلو تلك الصالة برج "بويوك كول" الذي يمكن مشاهدته من اي زاوية من زوايا القصر. وفي تلك الصالة كان السلاطين يستقبلون سفراء الدول الاجنبية. مع العلم ان بعضهم كان يتم استقباله بصورة استثنائية في قاعة "آرس اوداسي" الواقعة عند مدخل الفناء الثالث. ونذكر هنا ان عدداً من السفراء قد خلف وصفاً ساحراً لطريق الاستقبال وللقصر في كتاباتهم التي كثيراً ما فتنت قراءهم. الفناء الثالث لا يمكن الوصول اليه، الا بعد المرور ب"باب السعادة كابوسي" الذي كان من اشهر ابواب القصر وكان يقوم الخصيان على حراسته. وخلف ذلك الباب كان يقوم "القصر الداخلي" المعروف باسم "اندرون"، وهو مؤلف من الاجنحة الخاصة بالسلطان. ومعظم الاحتفالات التي كان يشهدها القصر كانت تقام امام باب السعادة وعند مدخل الاندرون، حيث توجد مكتبة أحمد الثالث وجناح الخصيان البيض وصالات الكنوز. على ان الجناح الذي يجذب اليوم اكبر عدد من الزوار، هو ذاك الذي يقع مختبئاً خلف هذه الاجنحة كلها: جناح الحريم. و"الحريم" لا يمكن الوصول اليه الا عبر المرور بالباب المسمى "عربة كابيسي" أي باب العربات، وهو يقع في الفناء الثاني اصلاً غير بعيد عن صالة المجلس. ويسمى الباب باب العربات لأن ما من امرأة يمكنها دخول قصر الحريم او الخروج منه الا اذا كانت داخل عربة. وكان "الحريم" يضم ايام عز السلطنة، ام السلطان وزوجاته ومحظياته وبناته. اما اذا توفي السلطان، فإن هاته كن يُنفين بسرعة الى قصر بايزيد العتيق الذي كان يعتبر اشبه بمقبرة لهن. ونذكر في هذه المناسبة ان معظم النساء اللواتي كن يقمن في الحريم، ولا سيما منهن "والدة سلطانه" أي أم السلطان كن يتمتعن بسلطة أين منها سلطة الرجال، وكانت في اوساطهن تحاك المؤامرات والمناورات. ومن بين اهم النساء كانت هناك محظيات يؤتى بهن من جورجيا وأرمينيا، وبسرعة يفرضن حضورهن عبر جمالهن وعلمهن وذكائهن، وخاصة اذا ما تمكن من استمالة تأييد الخصيان ورؤسائهم. غير ان هذا كله يبدو اليوم بعيداً، كما هو حال آخر عيد كبير اقيم في توبكابي، ولا تزال ذكراه ماثلة في اذهان الاتراك حتى اليوم، بعد ان سمعوه يروى لهم اباً عن جد. حدث ذلك يوم 3 تشرين الثاني نوفمبر 1839، وحين قرر السلطان الشاب عبدالمجيد ان يعلن البدء في العمل "بالتنظيمات" التي كان من شأنها ان حدثت السلطنة، وذلك عبر احتفال كبير وصاخب اقامه في "غولهان همايون" اي حديقة الزهور، التي تعتبر من اجمل حدائق قصر توبكابي. هذه الحديقة وغيرها باتت اليوم حدائق عامة يتنزه فيها الناس ويترحمون على ايام مضت، تماماً كما ان القصر نفسه بات مزاراً للسياحة. والماضي ليس غرفاً وقاعات وهندسة فقط، بل هو اشياء ثمينة وبقايا مادية ترمز الى المجد. ومن هنا اذا كان قصر توبكابي يذكر في معماره وقاعاته وحدائقه وأحواضه وجدرانه بالمجد القديم، فإن فيه من المعروضات ما يذكر بأكثر من ذلك الماضي بكثير. اذ، اليوم، حيثما، قلبت طرفك، ستجد الثياب والمجوهرات والاسلحة والكتب والمخطوطات واللوحات وقطع الاثاث، والاواني منتشرة بين غرفة وغرفة تذكر الزائر بحضارة وصلت الى مستويات شديدة الرفعة من الترف. يشهد على هذا مثلاً أثاث مكتبة أحمد الثالث، وخاصة مجموعة هائلة من الاواني لعل اجملها طقم الحلويات الذي كان يخص السلطان عبدالحميد الثاني والمشغول في فرنسا في القرن التاسع عشر. اما اذا شاء الزائر ان يلمح آثار الشرق وسحره، فحسبه ان يتجول بين المخطوطات العربية والفارسية، او ينظر الى قفطان بايزيد الثاني، الذي يعتبر بلونه الارجواني وخيوطه الذهبية وعشرات الاحجار الكريمة التي ترصعه، من اقدم وأجمل القطع التي يضمها متحف توبكابي. واذا انتهى المرء من تأمل ذلك القفطان سيجد نفسه في زاوية ثانية مسحوراً بكرسي العرش المسمى "عرش اسماعيل شاه" والذي كان من المعتقد انه فارسي الاصل، حتى قامت دراسات راهنة لتؤكد انه من غنائم الحروب العثمانية في الهند المغولية، وانه كان في الاصل عرش الامبراطور نادر شاه. وفي هذا الاطار يمكن للزائر ان يتأمل العديد من القطع الاخرى، ومن بينها ابريق الماء المصنوع من الذهب الخالص المرصع بعشرات الجواهر، والذي يعتبر من مفاخر صناعة الذهب التركية في القرن السابع عشر. وكذلك تلك الجوهرة النادرة ذات ال86 قيراطاً، والتي تحيط بها 49 جوهرة براقة. اضافة الى خنجر ساحر يعود الى النصف الاول من القرن الثامن عشر، والجلادة الذهبية المرصعة بالجواهر، والتي كانت تغلف كراساً كان السلطان مراد الثالث يخط عليه اشعاراً كان يقال انه هو واضعها