أصبح حوار "رايسينا" الذي يعمل كمنصة تعلن فيها الهند عن المبادئ التي توجه سياستها الخارجية وهي أكثر من مجرد مؤتمر حيث شهدت سلسلة من الأحداث هذا العام بما في ذلك المشاركة الإفتراضية لوزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر ثم حضور نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيبزاده في دلهي ، كمثالاً على محاولة نيودلهي إدارة للعلاقات المتنافسة في بيئة جيوسياسية شديدة الإستقطاب . وكان ترتيب الظهور بحد ذاته لافتاً حيث ظهر نائب وزير الخارجية الإيراني في نيودلهي واستخدم المنصة نفسها لتوجيه انتقادات حادة للحرب محذراً من أن طهران تنظر إلى الصراع بإعتباره قضية وجودية ولم يكن الجمع بين هاتين الرؤتين في المنتدى نفسه أمراً عارضاً أو مجرد صدفة بل عكس جهداً هندي للحفاظ على علاقات دبلوماسية مع الأطراف المنافسة حتى خلال فترات الصراع المفتوح . ومع ذلك فإن حوار رايسينا هذا العام لم ينعقد في فراغ بل جاء في سياق سلسلة من الأحداث التي كشفت مدى تعقيد موقع الهند. وفي الوقت نفسه ، ربطت أحداث في المحيط الهندي بشكل غير متوقع ، الهند بالأزمة المتفاقمة . ففي فبراير، استضافت البحرية الهندية الإستعراض البحري الدولي 2026م ومناورات ميلان البحرية في فيشاكاباتنا وهو احد أكبر التجمعات البحرية التي نظمتها الهند على الإطلاق حيث شاركت فيها سفن وأفراد من عشرات البحريات الأجنبية ومن بينها الفرقاطة الإيرانية " إيريس دينا" التي سافرت إلى الهند بدعوة من البحرية الهندية للمشاركة كضيف في الفعاليات. يذكر أنه في 4 مارس وأثناء عودة الفرقاطة الإيرانية إلى الوطن بعد المشاركة في المناورات البحرية التي استضافتها الهند ، تعرضت السفينة لهجوم طوربيدو من غواصة أمريكية في المياه الدولية قبالة سواحل سريلانكا ما أسفر عن غرقها ومقتل ما لا يقل عن 87 بحاراً . وقد حول الحادث على الفور أي المناورة البحرية استضافتها الهند إلى قضية جيوسياسية مثيرة للجدل . وأصبحت السفينة التي شاركت مؤخراً في الدبلوماسية البحرية الهندية من أولى ضحايا الصراع المتصاعد. وعلى خلفية هذه التطورات ، وصل نائب وزير الخارجية الإيراني إلى نيودلهي وتحدث في حوار رايسينا . وخلال مداخلته أشار بشكل مباشر إلى غرق السفينة الحربية الإيرانية، واصفاً الحادث بأنه تصعيد غير مقبول، ومؤكداً أن مثل هذا الهجوم لا يمكن أن يمر دون رد. وبهذا المعنى، أصبح حوار رايسينا أول منصة دولية رئيسية تعلن فيها إيران علناً عن روايتها بشأن الحادث البحري والحرب الأوسع نطاقاً. بالنسبة للهند، خلق هذا التزامن للأحداث لحظة دبلوماسية حساسة . ففي غضون أيام قليلة، أكدت نيودلهي مجدداً شراكتها مع اسرائيل وفي الوقت نفسه استضافة سفينة حربية ايرانية كجزء من دبلوماسيتها البحرية ثم شهدت تدمير تلك السفينة مع تصاعد الحرب قبل أن ترحب بنائب وزير الخارجية الإيراني لإلقاء كلمة في مؤتمرها الإستراتيجي الرئيسي . وتجسد هذه النتيجة السمة الأساسية التي تميز السياسة الخارجية للهند وهي الإستقلالية الإستراتيجية. فقد وسّعت الهند تدريجياً شراكتها مع إسرائيل، ولا سيما في مجالات تكنولوجيا الدفاع والتعاون الاستخباراتي والابتكار. وفي الوقت نفسه، تحافظ على علاقات طويلة الأمد مع إيران تستند إلى الجغرافيا ومصالح الطاقة ومشاريع الربط الإقليمي مثل تطوير ميناء تشابهار. في حين تخدم العلاقتين مصالح حيوية للهند. فأمن الطاقة، والاستقرار البحري في المحيط الهندي، وسلامة ملايين المواطنين الهنود العاملين في أنحاء منطقة الخليج، تفرض على الهند الحفاظ على قنوات التواصل مع أطراف متعددة في غرب آسيا في الوقت ذاته. وبذلك، شكل حوار رايسينا نموذجاً مصغراً لنهج الهند الدبلوماسي الأوسع . فمن خلال استضافة أصوات إسرائيلية وإيرانية ضمن المنتدى الإستراتيجي نفسه، اظهرت نيودلهي استعدادها للتواصل مع الطرفين دون الإنحياز رسمياً لأي منهما حيث يعد هذا التوازن الدقيق عنصراً هاماً وأساسياً في رؤية الهند الجيوسياسية الناشئة. إذ، تنظر نيودلهي اليوم إلى المنطقة الممتدة من المحيط الهندي إلى البحر المتوسط كمساحة استراتيجية مترابطة ، تشكله تدفقات الطاقة ، ومسارات الملاحة البحرية ، والممرات الإقتصادية الناشئة التي تربط آسيا بأوروبا .