تدفع الحاجة اليوم إلى التوسع في مفهوم العمل الخيري خلال شهر رمضان المبارك وعدم قصره على "إفطار الصائمين" كما هو العرف السائد مع تسليمنا بالأجر العظيم جزاء هذا العمل الإنساني النبيل، ومن أصعب التحديات التي تواجه ملفاً بهذا الحجم هو مواجهة الفهم التقليدي الذي لا ينسجم أحياناً مع التفكير بحل معضلات المجتمع كالبطالة ومحدودية المساكن والتأهيل لسوق العمل والمشاركات التطوعية والمساندة لإدارات وجهات تنظيمية وغير ذلك، وقد أكد أكاديميون ومختصون على ضرورة التجديد والانطلاق نحو الابتكار لاحتواء آثار وانعكاسات التعقيدات الحضارية على مجتمعنا ودعمه وفق احتياجاته الواسعة. عمل خيري وقال د. عبدالرب نواب -أستاذ الدعوة وأصول الدين-: من مقاصد الصيام تحقيق التقوى كما نصت على ذلك الآية الكريمة: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"، والتقوى بمفهومها الواسع تتضمن إنجاز العمل الصالح بنوعيه، الأول: ما يرجع نفعه للفرد كالصلاة والزكاة والصيام فتتهذب أخلاقه وتزكو نفسه، والثاني: ما يكون فيه الخير والنفع للناس عموماً ككفالة الأيتام ورعاية الأرامل، ومن هذا القبيل فإفطار الصائمين عمل جليل يتسابق إليه المتقون، رجاء الثواب العظيم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "من فطر صائماً كان له أجر الصائم"، مضيفاً أنه من المعلوم أن أجر الصائم عظيم، ولكن الذي ينبغي معرفته أن أعمال البر في هذا الشهر لا تقتصر على تفطير الصائمين، وإنما هو جزء من منظومة العمل الخيري الرحب، مبيناً أن العمل الخيري قد يفوق ثوابه ثواب الصيام نفسه ففي الحديث الذي رواه البخاري وغيره أن جمعاً من الصحابة سافروا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنهم الصائم ومنهم المفطر فأما الصائمون فوقعوا نياماً لما نالهم من التعب والجوع وأما المفطرون فنصبوا الخيام وجلبوا الماء وخدموا إخوانهم الصائمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر"، أي أن أجر المفطرين فاق أجر الصائمين وزاد عليه بمراحل، وهذا يدل على أن إيصال النفع للآخرين أفضل وأعظم أجراً من أجر الصيام أو إفطار الصائمين، ومن هنا فإن منظومة التكافل ومنها الخدمات العامة ورعاية المحتاجين والمعوزين عمل صالح جليل ينبغي أن يعيه المسلمون في هذا الشهر الفضيل، وألاّ يقتصر عملهم على إفطار الصائمين فكم من مسكين كبلته الديون فهو يتطلع إلى من يفك أسره، وكم من أرملة ويتيم ومغترب يحتاجون إلى العون ولا يمدون أيديهم لأحد استعفافاً يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف. الاستعانة بالجمعيات وأوضح د. خالد الزهراني -عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية- أن العمل الخيري باب واسع لا يمكن حصره أو قصره في جانب واحد من أعمال البر، ويدل على ذلك قول الله تعالى: "فاستبقوا الخيرات"، "أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون"، فأعمال البر والخير لها وجوه، وأنواع متعددة لمن يوفقه الله لها، وبعض الناس إذا أقبل شهر رمضان حصرها فقط في إفطار صائم، وهذا وإن كان من العمل الخيري إلاّ أننا بحاجة للتنويع ليصل إلى أكبر شريحة في المجتمع، مضيفاً أنه يمكن الاستعانة بالجمعيات الخيرية المتخصصة فهم لديهم خبرة في احتياجات الأسر والأفراد ولديهم قوائم وملفات ومعلومات عن الاحتياجات من ملبس وغذاء وإنفاق، فالعمل المؤسسي منظم ويخدم شرائح متعددة من المعوزين والفقراء والمحتاجين، مشيراً إلى أن المتبرع أو الباذل لأعمال البر يحتاج لمزيد من التوعية والتوجيه للمشروعات الخيرية وإرشاده بشكل دوري من قبل المؤسسات الدينية والتعليمية، حتى يكون عمله متعدياً ونافعاً وفي موضعه المناسب ومكانه السليم. تكافل وتضامن وأكد د. عيسى القايدي -رئيس قسم الاتصال والإعلام بجامعة طيبة- على أن العمل الخيري يهدف إلى نشر التكافل الاجتماعي، مما يؤدي إلى المحافظة على تعزيز دور القيم الدينية والأخلاق الحميدة في النهوض بالمجتمعات، وهو من الأعمال التي حث عليها الإسلام ودعا إليها النبي عليه الصلاة والسلام، فهو ظاهرة اجتماعية تحقق الترابط والتاَلف والتآخي بين أفراد المجتمع حتى يكون كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"، مبيناً أن العمل الخيري من الأعمال التي يجب أن يعتني بها المسلم بما يتناسب مع قدراته وإمكاناته انطلاقاً من قوله تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"، لافتاً إلى أنه من المهم جداً تنويع العمل الخيري وعدم اقتصاره على نشاط واحد أو مجال واحد مثل إفطار صائم أو غيره من المجالات، فأنواع العمل الخيري كثيرة وهي مرتبطة بتحقيق الخير للناس، ومنها الصدقة والعمل التطوعي بمختلف مجالاته، وكذلك دعم ومساندة دور رعاية الأيتام وكبار السن وزيارة المرضى في المستشفيات، إضافةً إلى مساندة الجهات العاملة في تقديم الخدمات مثل دعم رجال المرور وفي تسهيل حركة المرور ونقل كبار السن بالعربات المخصصة لهم، وتقديم معونات غذائية للعائلات التي تسكن في الأحياء الفقيرة وغيرها الكثير، بل إن من عظمة الإسلام أن العمل الخيري يكون عاماً ويشمل أيضاً الإحسان إلى الحيوان تحقيقاً لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "في كل كبد رطبة أجر". تشجيع المبادرات وقال بندر الصاعدي -باحث في الاقتصاد الإسلامي-: يحث رمضان على فعل الخيرات تجاه الفقراء والمحتاجين، ويعد الشهر الكريم وقتاً مثالياً بالنسبة لقادة الأعمال لتسليط الضوء على أهمية الأعمال الخيرية، والتي تتعدد أنماطها وأشكالها ما بين مشروع خيري أو تقديم منتج أو خدمة جديدة أو نشاط تجاري يتم تخصيصه لأغراض خيرية، مضيفاً: من الأمثلة أن تقوم شركة تعمل في تقنية المعلومات بتخصيص مبرمجين لتطوير المواقع للمؤسسات غير الربحية، أو أن تقوم شركة مقاولات بتشكيل فريق من المتطوعين الأكفاء لبناء أو تجديد المنشآت في المجتمع، بحيث تقوم كل شركة باختيار قضية مرتبطة بقدراتها وتخصصها، ومن ثم تطلق مبادرة خيرية تساعد أصحاب المصلحة على فهم ما تعده الشركة على درجة من الأهمية، ويتعيّن على المؤسسات التي تقوم بالأعمال الخيرية الالتزام بالشفافية عند تنفيذ هذه الأنشطة من أجل توضيح ما تقوم به من أعمال، وكيف يتم إشراك الآخرين فيها وفقاً للتعاليم التي نستقيها من الشهر المبارك والتي تحث على التآلف والتراحم. بعض المتصدقين همه أن يتخلص من صدقته دون اعتبار إلى أين تذهب؟