ليست هذه المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي أتناول فيها موضوع التعليم ومقارنته بالآخرين، فهو أساس كل نهضة. وما من مسؤول إلا ويؤكد هذه النقطة، لكن المبادرات الصعبة الفعالة لا تزال حبيسة التنفيذ مع أن الأفكار متوفرة والهمم عالية، والأموال بفضل الله فائضة. والأمم الحية لا تضع مشكلاتها تحت (البلاطة) كي لا تنزعج منها، بل تطرحها دائماً على بساط البحث، وتشبعها نقاشاً ومداولة بكل شفافية، فالمجتمع كله شريك في وضع الحلول كما في تحمل النتائج. وفي الولاياتالمتحدة اليوم (وهي الرائدة في ميادين العلم والتقنية) دعوة، ربما هي المائة بعد المليون لإعادة النظر في مسلمات اليوم لأن البحوث والدراسات واختبارات المستويات التعليمية الدولية تؤكد أن الأسبقية التي حظيت بها الولاياتالمتحدة لعقود متتالية قد تعرضت للتآكل، فلم تعد الرائدة اليوم، بل ومنذ سنوات خلت، في التعليم العام تحديدا، مما ينعكس على المستويات الرفيعة في التعليم الجامعي الذي يتم إثراؤه باستمرار من دول العالم الثاني والثالث، خاصة من جنوب شرق آسيا والهند، وحتى من الدول العربية التي يهاجر (زبدة) طلبتها إلى هناك، كي يتعلموا ثم يستقروا. وآخر الدعوات هي المزج بين التعليم العام المنضبط في دول جنوب شرق آسيا والتعليم الدافع إلى الإبداع والابتكار كما هو الحال في الولاياتالمتحدة لأن الذي يجري هناك هو إبداع القلة وضعف أداء الكثرة. والسبب تراخي التعليم العام وترهله أحياناً حد التسيب كما يظن الغيورون على التعليم في الولاياتالمتحدة. والانضباط لا يقتصر على الطالب وتربية الأسرة، وإنما حتى على المعلم والإدارة ودقة التطبيق! ما جدوى انضباط الطالب وبذله جهوداً مضاعفة إن كانت آليات التقويم لا تفرق بوضوح بينه وبين الآخر الذي يبذل حدا أدنى أو أقل كثيراً. آليات التقويم الصارمة هي سبيل التعليم المنضبط في الصين واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرها من الدول المتقدمة تعليمياً. إنها الحافز على التعلم والدافع إلى مضاعفة الجهد، لكن لا بد من اقتران هذه الآليات بجملة من الآليات والوسائل الأخرى، بل وبثقافة المجتمع عموماً. [email protected]