السومة يحسمها في دقيقتين    المملكة تشهد إقامة النسخة الثانية من بطولة السعودية الدولية لمحترفي الجولف    بالفيديو.. السومة يقود الأهلي للفوز على الرائد بثنائية    المملكة تتقدم سبعة مراكز في مؤشر مدركات الفساد.. وتحتل المركز ال 10 بمجموعة العشرين    وزير الخارجية يبحث مع نظيره الفنلندي تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية    البيان الختامي لاجتماع الجزائر لوزراء خارجية آلية دول جوار ليبيا    لبنان يحتاج نحو خمسة مليارات دولار قروضاً عاجلة    قصف جنوني على إدلب ومسلحون يردون 40 عنصراً للنظام    الإمارات تدعو إلى تفعيل العمل السياسي لإحلال الاستقرار بالمنطقة    «حكم تاريخي» يُسعد أوساط الروهينغا    فيصل بن مشعل يزور محافظ عنيزة معزياً    بنات الوطن يقتحمن الوظائف التقنية..!    ديوان المظالم: تفعيل إرسال التبليغات القضائية إلكترونيًا    تسجيل 28 مخالفة للذوق العام في عرعر    إقبال كبير على جناح وزارة التعليم في معرض بت 2020    تدشين ملتقى "تاريخ وحضارة مكة المكرمة عبر العصور"    غرفة جدة تستضيف فعاليات برنامج تأهيل النظار في نسخته الثالثة    الاقتصاد والتخطيط: إطلاق مشروع التعداد السكاني قريباً لدعم استراتيجية المناطق    "الصحة العالمية": "من المبكر جداً" إعلان حالة طوارئ دولية بسبب كورونا المستجدّ    "الصحة" تطلق فعاليات الملتقى الأول لبرنامج وازن    بورصة بيروت تغلق على تراجع بنسبة 1.21%    وزير الخارجية يبحث مع رئيس افغانستان العلاقات الثنائية بين البلدين    " شرح كتاب عمدة الأحكام" درس علمي بتعاوني الدرب غداً    «أساطير في قادم الزمان».. أول مسلسل محلي بالرسومات اليابانية    قبل المليونية.. السفارة الأمريكية في بغداد تحذر بملصق "رادع"    «سكني» يطلق 9 مخططات للأراضي المجانية إلكترونيًا    استشهاد رجل أمن أثناء مداهمة أمنية في محايل عسير    طقس الجمعة.. رياح مثيرة للأتربة وانخفاض في درجات الحرارة على هذه المناطق    وزير الداخلية يُدشن الهوية الجديدة لمستشفى قوى الأمن بالرياض    «القوات البحرية» تستقبل الدفعة الأولى من الزوارق الفرنسية السريعة    نادي الفروسية يقيم حفل سباقه على كأسي الهيئة العامة للرياضة ووزارة الخارجية (فئة 3)    بمناسبة اليوم الدولي للتعليم: اليونسكو تعقد مؤتمرًا حول مستقبل التربية والتعليم غداً    تعليم المدينة ينفذ أولى برنامج "التحصيل الدراسي تحسين وتجويد"    بورصة تونس تقفل على ارتفاع    بالفيديو والصور.. “العلا” تدخل موسوعة “غينيس بأطول عرض للمناطيد المتوهجة    فرع هيئة الأمر بالمعروف والنيابة العامة بمنطقة تبوك يبحثان سبل التعاون    وزير الحج والعمرة يلتقي نائب مجلس النواب الإندونيسي    اللقاء الأول لمنسوبات الكلية التقنية للبنات بالخرج    فيصل بن نواف يستقبل مديري صحة الجوف والقريات    ماهي الموضوعات التي سيناقشها «الشورى» الأسبوع القادم؟    منتدى الرياض الاقتصادي يناقش "الهجرة العكسية" في مناطق المملكة    تركي آل الشيخ يرد على رفض الأهلي المصري استقالته من الرئاسة الشرفية    “طريف” تحت الصفر.. “الأرصاد”: هذه أدنى درجات الحرارة المسجلة اليوم في المملكة    المسحل: الأولمبياد تحتاج الكثير من العمل    مارثون المشي لمنسوبات التعليم وأندية الأحياء بالمدينة    مراقبة 16 شخصا في أمريكا بعد تعاملهم مع مصاب «كورونا»    الصين: وفاة 17 شخصًا وإصابة 571 آخرين بفيروس كورونا الجديد    بالفيديو.. “الخثلان” يوضح حكم تصوير الميت عند الغسل    الاتحاد يعلن التعاقد مع السواط رسمياً    أمير الرياض يدشن مشروعات في القويعية بأكثر من 180 مليوناً    هند الفهاد: منح الفرصة للممثلات السعوديات يثري السينما    الحربي والعتيبي يزفون هلال لعش الزوجية    فهد بن سلطان: «التجارة» عززت حماية المستهلك    جهتان تناقشان المهام المشتركة في جازان    بدر بن سلطان ورؤية 2030.. الإنجاز يتحدث    مفتي تشاد: المملكة هي السند لكل المسلمين بالعالم    جابر الخواطر    محافظ بيشة يلتقي أعضاء "بلدي بيشة"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





في حتمية المراجعة الجذرية ل(العلوم الشرعية) (6): ماذا فعل (التدوين) بالعقل المسلم ؟
نشر في المدينة يوم 01 - 12 - 2019

ما هي العلاقة بين الجزء الثابت من عنوان هذه السلسلة، والمتعلق بضرورة مراجعة العلوم الشرعية، وبين ما تحدَّثنا عنه حتى الآن فيما يخص حادثة السقيفة، وماذا جرى بعد وفاة الرسول (المؤسِّس)، وحروب الردة؟
منذ تصاعد التدوين مع منتصف القرن الثاني الهجري، ومع التفصيل المتزايد والهائل الذي نتجَ عنه، وامتدَّ إلى فروع الفروع في حياة الناس، بدأ العقل المسلم رحلةً غريبة.. فبدلاً من أن يحاولَ، هوَ، فهمَ شؤون حياته التي تَدخُلُ في مجالات الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسة والفن والأدب، بمزيجٍ من حسابات العقل المتعلقة بالخبرات البشرية في تلك المجالات من ناحية، ومن مُعطيات النص (المقاصدية) من ناحية ثانية، صارَ كل شيءٍ، بالتدريج، ولكن بسرعةٍ كبيرة، دينًا بحتًا. وفقدَ العقل المسلم استقلاليته تدريجيًا حتى صار، ومعهُ الإنسان وحياتهُ، عالةً على المفسِّرين والمُحدِّثين والفقهاء. وسادَ مع الأمر في واقع المسلمين، على مرور العقود والقرون، التواكلُ والتقليد والكسلُ والآبائية، وكل ما حذّرَ القرآنُ المسلمينَ من الوقوع فيه، مما يقتل مقاصد الدين في الحياة.
يحكي القرآن عن دينٍ ودُنيا، وتجري الكلمتان على أَلسِنةِ الناس إلى هذا اليوم، لكن الواقع يقول إن كل شيءٍ في هذه الحياة أصبحَ (دينًا)، بالدلالات والتوجيهات التفصيلية الشاملة للكلمة إلى حدٍ كبير، كما ورَدَت في آلاف المجلدات (النصّية)، ولم تكد تبقى ثَمةُ (دنيا) يعيش فيها الإنسان بفطرتهِ السليمة، أو ما جُبل عليه من خيرٍ أساسي ينبثق من نفخة الروح الإلهية فيه، أو بما تعارف الناسُ على أنه حقٌ وعدلٌ وخيرٌ وجَمال.
تضخَّمت النصوص بشكلٍ هائل، في كل مجال. فلم يكن ثمَّة بدٌ أن تتغلغل في بيوت الناس، من غرف نومهم إلى حماماتهم، مرورًا بغُرفِ الطعام والجلوس. أصبح الإنسان المسلم (الملتزم) مُحاصرًا بالتعليمات والتوجيهات والفتاوى التي تقولُ له ماذا يفعل فيما يخص كل شيءٍ في حياته: كيف يأكل، ويشرب، ويقضي حاجته، ويلبس، ويغتسل، ويمشي، وينام، ويصحو، ويأتي زوجه، ويدخل، ويخرج، ويعطسُ، ويجلس، ويقوم، ويقص أظافره وشعره، وينظف أسنانه، ويتعامل مع لحيته، وحواجبه (ها). والأرجح أن يتعلم، بالتفصيل، كيف يتعامل مع زوجه، وكيف يُربِّي أبناءه، وكيف يقضي نهارهُ وليلهُ، وماذا يقول في أغلب الحالات التي يشهدُها يومهُ، وماذا لا يقول، ومع مَن يتحدث، وكيف يتحدث، وما هو موقفه من المرأة إن كان رجلاً، أو من الرجل إن كانت امرأةً، ومن (الآخر) غير المسلم، ومن (الآخر) المسلم من غير مذهبه، ومن السلاطين والحكَّام والولاة، وما هو موقفه من الفنون والآداب والترفيه والفرح والضحك والتسلية. هذا فضلاً عن آلاف التعاليم الأخرى التي تكاد تستغرق كل لحظةٍ في حياته اليومية، وآلاف أخرى تتعلق بتفاصيل العبادات المتعلقةِ بإسلامه.
لن نسمح في هذا المقام بالاصطياد في الماء العكر، كما يقولون. فنحنُ لا نتحدَّث عن التوجيهات الأساسية لله ورسوله، والتي فهمَ مقاصدها، ولا يزال، البُسطاء من الناس، لأنها بالضبط، تنسجم مع فطرة الإنسان السليمة، ومع ما جُبلَ عليه من خيرٍ أساسي ينبعُ من نفخة الروح الإلهية فيه، ومع ما تعارف الناسُ على أنه حقٌ وعدلٌ وخيرٌ وجَمال. وإنما الحديث عن ملايين الصفحات التي لوَّنها بعض كُتَّاب الفقه والتفسير والسيرة بما ذكروا أنهم (استنبطوه) (هُم) من كلام الله ورسوله، وبنوا منه (نصوصًا) زاحَمت، بشهادة الواقع التاريخي والمعاصر، القرآن (النص الأصلي والأساسي)، حتى حاصرت عقول الناس وأرواحهم وأجسادهم وخَنقَتها في قوالبَ (نصّية)، بدل أن يُترك الناس وتديُّنُهم لاجتهادهم وتفاعل عقولهم وخبراتهم وتجاربهم مع فهمهم للنص الأصلي، ومع ما هم عليه من فطرة، وما يمتلكونه بأثرِ نفخة الروح الإلهية فيهم، وما يعرفونه يقينًا مما تعارفَ عليه الناس من (معروف).
أكثر من هذا، لسنا هنا في مقام غمط الناس، من فقهاء ومفسرين ومحدثين، حقهم، والتهجم عليهم واتهام نياتهم. فالواضح، في غالبية الحالات، أن نيتهم كانت تتمثل فيما رأوا أنه خدمة الإسلام والمسلمين، في زمنهم، ووفق حاجاتهم وظروفهم الخاصة. تلك إذًا (أمةٌ قد خلت لها ما كسبت)، وما علينا سوى أن نكون بإزاء مواجهة مسؤوليتنا و(كسبنا) الذي أكد القرآن أننا سنسأل عنه.
سنرجع لكل هذا بمزيدٍ من التفصيل. لكن الحديث عنه مناسبٌ لكي يتمكَّن القارئ من الربط بين المواضيع من جهة، ولأن هناك، من جهةٍ أخرى، مثالًا مُعبّرًا عن المسألة يتعلق بحروب الردِّة التي تكلمنا عنها في المقال السابق.
فمقابل الفهم والتفسير (الديني) البحت لتلك الظاهرة، وهو السائدُ بشكلٍ كامل في كُتب التراث، يمكن النظر إليها من جانبٍ آخر تحدَّثَ عنه بعض المعاصرين، فيه سياسةٌ وثقافةٌ واجتماعٌ بشري، لكن حديثهم هذا أُبقيَ على الهامش، وسُلِّطَت عليه أشعةُ الحرمان. وهو ما سيكون موضوع المقال القادم من هذه السلسلة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.