السمة الغالبة - ولله الحمد - على جميع المشاركين في مسابقة الملك عبدالعزيز الدولية للقرآن الكريم في هذا العام وفي جميع الأعوام السابقة البشاشة والبشر والطمأنينة والسكينة على الرغم من اختلاف الأعمار والأقطار واللغات وظروف المعيشة والألوان والأجساد، وتبقى هذه السمة قاسماً مشتركاً بين الجميع. وحينما ترى هؤلاء المتسابقين تحس كأنك تعرفهم منذ سنوات عديدة، وهذا الشعور موجود لديهم مما يعني أنه شعور متبادل بين الجميع. ولم تأت هذه المشاعر من فراغ، إنما هو إيمان عميق أنتج السلوك الطيب، والخلق الحسن، والآداب الرفيعة، وحسن الخلق، وراحة النفس والبال، وحسن التعامل مع الآخرين، والراحة النفسية التي ترتسم آثارها في بشاشة الإنسان الدائمة مع الآخرين حتى في أحلك الظروف والمواقف. ومن المعلوم أن في القرآن الكريم طمأنينة للنفس وراحة للبال، كما أن في القرآن الكريم شفاء ورحمة قال تعالى (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)، (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا). قال العلامة الشنقيطي رحمه الله: وهذه الآية الكريمة أجمل الله - جل وعلا - فيها جميع ما في القرآن من الهدي إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم لشمولها لجميع ما فيه من الهدي إلى خيري الدنيا والآخرة. (أضواء البيان 3: 409). وتالي القرآن الكريم المتدبر له، العامل بما فيه تختلف شخصيته عن ذلك الذي يهجر تلاوة القرآن الكريم بالأيام، والشهور، والسنوات، ولا يتدبره، ولا يعمل بما فيه، فإن ذلك القارئ لكتاب الله - جل وعلا - يكون خاشعاً مذعناً لأوامر الله - جل وعلا - بسبب ملازمته لهذا القرآن العظيم، فآياته صنعت شخصيته، وهذبت أخلاقه، وروت قلبه، وأنارت بصيرته، فالقرآن يحتوي على الترهيب والوعيد الذي يجعل العبد يضع حدوداً بينه وبين الحرام خوفاً من أن يعاقبه العزيز الجبار، كما يحوي على الترغيب والوعد الذي يجعله يسارع الخطى إلى فعل الطاعات من غير شعور بطول المسيرة أو صعوبة الطريق، رغبة فيما عند الله من الأجر العظيم. وتؤكد الدراسات والبحوث التطبيقية العلمية أن للتدين آثاراً إيجابية بالغة في الفرد وأفعاله وأعماله، بل ووجدانه ومشاعره وأحاسيسه، ولعل هذه الآثار الطيبة هي التي جعلت بعض علماء النفس المسلمين يتخذون من الدين منهجاً للعلاج النفسي، عن طريق إعادة الفرد المريض إلى دائرة الدين والإيمان، لما للإيمان من قيمة عظيمة في شعور الفرد بالأمان والاستقرار والطمأنينة. وعلى النقيض من ذلك فإن النفوس المحرومة من ذكر الله سبحانه وتعالى الهاجرة للقرآن الكريم تجدها ضيقة ومتكدرة وقلقة لا تشعر بالطمأنينة ولا السعادة ولا تصمد أمام نوائب الدهر ومنغصات الحياة في حين أن النفس المسلمة المؤمنة راضية بقضاء الله وقدره، حامدة لربها في كل حال في السراء والضراء، ومرد ذلك الالتزام بمبادئي الإسلام والإيمان التام بالقضاء والقدر، الذي ينتج عنه التوكل على الله وتفويض الأمور إليه سبحانه، مع بذل الأسباب، ويؤكد ذلك أيضاً نسبُ المنتحرين من الملحدين أولاً ومن غير المتدينين ثانياً، لأن الأمل في الحياة السعيدة معدوم لديهم. وتنعكس هذه الطمأنينة والشعور بالارتياح النفسي على سلوكيات الفرد وتصرفاته من أقوال وأعمال، فالشخصية المطمئنة البعيدة عن القلق والتوتر تتصف بالسلوكيات الراشدة في التعامل مع الآخرين، وأول ذلك الخلق الفاضل، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة الحسنة وكما اخبرت عنه أم المؤمنين عائشة - رضي الله تعالى عنها -: (كان خلقه القرآن). ومن كان خلقه القرآن ومقتدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه دائم الالتزام بطاعة الله والترك لما نهى عنه معتنياً بالأخلاق الكريمة من بر الوالدين وصلة الرحم، مبتعداً عن جميع الأخلاق السيئة، حريصاً على حفظ اللسان عما لا ينبغي، مكثراً من ذكر الله داعياً للخير محذراً من الشر. ولدى أهل القرآن الكريم - وهذا من نعم الله - من انشراح الصدر ما لا يتوافر لدى غيرهم ممن حرموا نعمة القرآن الكريم وذلك من الهدى والنور الذي يقذفه الله في قلب العبد المسلم المتعلق بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويترجم ذلك الطمأنينة وانشراح الصدر ودوام الإنابة إلى الله تعالى ودوام ذكر الله والإحسان إلى الخلق وخلو القلب من الضغائن والحسد والغل، وترك فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة والأكل والنوم. واضداد هذه الصفات هي مسببات الهم والغم والضيق التي سلم منها أهل القرآن الكريم، فهنيئاً لكم يا أهل القرآن بهذه النعمة.