سعادة رئيس تحرير جريدة الجزيرة - وفقه الله تعالى - اطلعت كغيري من قراء هذه الجريدة الغراء على مقالة كتبها الدكتور إبراهيم عباس نتّو بعنوان (كونسرفتوار سعودي.. معهد عال للموسيقى) في العدد (12327) ليوم الخميس 3 من جماد الآخرة لعام 1427ه.. ولي مع تلك المقالة وقفات وملاحظات رأيت أن أبديها: الوقفة الأولى: يقول الكاتب: (فلقد آن الأوان لتغطية كل عجز واللحاق بالقيام بكل ما يمكن تغطيته من لوازم وطنية إنشائية في كل البنيات الأساسية التحتية من إسكان وطرق وخدمات علاجية لائقة ومدارس غير مستأجرة).. وهذا كلام جميل وهدف نبيل ولكن الكاتب خالفه من حيث المبدأ فيما سيأتي بين ثنايا هذه السطور. الوقفة الثانية: ويقول أيضا: (وفي هذا السياق لعله أمسى من المناسب البدء في الإحساس بأهمية العيش الأكثر رغدا. والاهتمام بالنواحي الأكثر تمدنا وحضارة ورقيا ويدخل من ضمن ذلك رعاية الفنون الجميلة بأنواعها السبعة).. حري لمن نذر نفسه للكتابة وعرض نتاج عقله على القراء أن يحسن سبك مكتوبه ويرتقي بمصدر تلقيه، ويهتم بتوثيق ما يقول، ويتأمل في صدق ما يمليه. وفي القديم قيل: (من كتب فكأنما قدم للناس عقله في طبق) وحاصل هذا كيف برجل أكاديمي يحصر أمور التحضر والتمدن والرقي في رغد العيش والفنون الجميلة على حد ما ذكر. وإننا إذ نطالب الكاتب وغيره بأن يحترموا أخلاق الناس ومراعاة شعورهم. وإلا فإن الكاتب يعرف سلفا أن الغناء حرام في شريعة الإسلام. وهذا ما دفعه الى سبك تلك المقالة الطويلة على صدر صفحات الجزيرة. وقد تواترت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على تحريم الغناء وليس هذا محل بسط تلك الأدلة التي لا تخفى على كثير من الناس اليوم - ومنهم الكاتب - ولله در القائل: دفٌ ومزمار ونغمة شادنٍ فمتى رأيت عبادة بملاهي الوقفة الثالثة: أردف الكاتب في العبِّ من معين المجهول فيقول: (مما تحتاجه البلاد منذ عشرات السنين هو إقامة عدد من المعاهد التي تنمي الإحساس السمعي وترقى بالذوق الموسيقي عند مواطنينا الراغبين وهم في أعداد متنامية. وذلك باشتمال أيامنا الدراسية في المعاهد والمدارس على أجزاء من البرامج الإنشادية الموسيقية سماعا وأداء).. عندما تزهد البضاعة ويقصر الفهم عند الإنسان في بيان العلاقة بين العلم والتربية يصاب عندها بارتباك فكري، وتقل القدرة على الربط بين الأسباب والمسببات وبين المقدمات والنتائج، وهذا ما يلمس في المقال. وإني سائل الكاتب قائلا: هل الموسيقى والغناء هما أفضل الوسائل لتربية شباب الأمة؟ أو من جهة أخرى: هل هما العلاج الناجح لعلاج تلك الأدواء المؤلمة التي بدأت تنخر في مجتمعاتنا من بطالة شائعة أو حوادث سيارات مدمرة أو عنوسة قائمة أو مخدرات فتاكة وغيرها الكثير الكثير؟.. لا أظن أحدا سويا يقول ذلك ولا حتى اليهود والنصارى.. ذلك أن قضايا الشباب من أهم القضايا التي تواجه المجتمعات لأن الشباب هم العدة للمستقبل في تحقيق الطموحات والأهداف المرجوة. لهذا لا بد من إعدادهم بسلاح الإيمان بالله تعالى وبالعلم النافع وبالأسباب الكفيلة التي تواجه تحديات العصر وهموم الشباب. ولا نكون كما قال القائل: العزف والرقص والمزمار عدتنا والخصم عدته علم وآلات كم بددوا المال هدرا في مباذلهم وفي ليالي الخنا ضاعت مروءات الوقفة الرابعة: صدمت كغيري بقول الكاتب: (فبالموسيقى وبالغناء تنتعش النفوس وتسمو الأرواح وبخاصة حينما يتم الجمع بين الغناء الجميل والموسيقى الرخيمة والأبيات الشعرية الجميلة والحنجرة الصادحة الندية). ولا أدري على أي أساس صور الكاتب الغناء بهذا التصوير؟ أهو اتباع للهوى؟ أم تقليد للغير؟ أم ماذا؟.. ويكفي أن نرد على هذا الكلام بقول الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -: (فاعلم أنه لا ريب أن الصلاة والقرآن قرة عيون المحبين ولذة أرواح الموحدين وبستان العابدين وثمرة نفوس الخاشعين ومحل أحوال الصادقين وميزان أحوال السالكين، وهي رحمة الله المهداة إلى عباده المؤمنين هداهم إليها وعرفهم بها). الوقفة الخامسة: إن من أعظم الفتن التي تعاني منها جملة من المجتمعات المسلمة في عصرنا الحاضر هي فتنة غياب الحق ولبسه بالباطل وفقدان هيمنة المرجعية الصحيحة في إبداء الحق ونصرته. وإشكالية طرح الأفكار السليمة على بساط البحث والنقاش للوصول إلى أفضل النتائج وأحسنها أثرا على الفرد والمجتمع. ألا وإن صدق القلم وفصاحته من أحسن ما يتلبس به الكاتب ويتزر به العاقل. والاعتناء بأدب القلم في المعنى هو ضرورة كما الأمر في المبنى وثمة ولا شك أن من غرس فسيلا يوشك أن يأكل رطبها. وإن القلم أمانة وحملته كثر من بني الإنسان وما كل من حمل الأمانة عرف قدرها. ولأجل هذا لفت علماء الإسلام الانتباه إلى صفات وضوابط لا يسع الكاتب إهمالها. ولا ينبغي أن يقصر فيها كاتب أو ذو قلم حمل أمانة الكلمة وصياغة الرأي بين بني البشر (وعندما أسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم. فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع. فقال: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع ردها). فحقيق بمن اتقى الله وخاف نكاله أن يحذر استحلال محارم الله بأنواع المكر والاحتيال. وأن يعلم أنه لا يخلصه من الله ما أظهره شرا من الأقوال والأفعال. وأن يعلم أن لله يوما تلع فيه الرجال - أين تجبن وتضعف - وتنسف فيه الجبال وتترادف فيه الأهوال وتشهد فيه الجوارح والأوصال. يوم تبيض وجوه بما في قلوب أصحابها من النصيحة لله ورسوله وكتابه وما فيها من البر والصدق والإخلاص للكبير المتعال. وتسود وجوه بما في قلوب أصحابها من الخديعة والغش والكذب والمكر والاحتيال. محمد بن زيد بن سعود العثمان -حوطة بني تميم