* عرض وتحليل: د. يوسف بن أحمد العثيمين -أكاديمي وباحث اجتماعي سعودي: (مقدمة): تسعى هذه الورقة إلى تقديم قراءة سوسيولوجية (بانورامية) للمشهد الداخلي في مجال جهود مكافحة الإرهاب في المملكة العربية السعودية وصولاً إلى أُطر عريضة لاستراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الإرهاب. لقد بات واضحاً أن التعويل على الجهد الأمني وحده ليس كافياً، و أنه لا يمكن اجتثاث الإرهاب من جذوره في المجتمع إلا عبر استراتيجية وطنية شاملة تتناول العوامل والمناخات والمحفزات والأرضيات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تجعل من الشاب (إرهابياً)، ومن المواطن البسيط (متعاطفاً)، إذ يتضح من مراقبة المشهد الداخلي أن (التعاطي الأمني) هو الحل السائد للتعامل مع ظاهرة الإرهاب، وربما الوحيد.. حتى لو كان هناك جهود أخرى فهي ما زالت في حدود فكرة (المحاورة) مع الإرهابيين، و(التوعية) مع المتعاطفين في المجتمع.. هذه الجهود سطحية، قد تعالج بعض الحالات الفردية بالتراجع والتوبة، ولكنها لا تنفذ إلى العمق، ولا تتوفر على آليات لاجتثاث الإرهاب من جذوره، ولا وسائل للعلاج والوقاية، ناهيك عن المبادرة والاستباق.. المطلوب شيء أكثر وأكبر.. المطلوب استراتيجية وطنية شاملة تنفذ إلى الجذور، وتتعرف على البيئات والمناخات والظروف والعوامل التي تغذي الإرهاب من الداخل، وتجعل من الإرهابي (إرهابياً)، ومن المواطن البسيط (متعاطفاً).. علينا أن نتعرف بدقة على المناخات الفكرية، والمنابع الثقافية، والأرضيات الاجتماعية، وعلى المؤسسات والمناشط التي تُغذي الإرهاب داخل المجتمع، وتُعيد إنتاجه، وتُجدد خلاياه، وتنشره، وتُروجه، وتُعطيه ذلك البريق و(الجاذبية) في عقول وقلوب الشباب والمتعاطفين.. المطلوب استراتيجية وقاية واستباق (قبل) أن يتخلق الإرهابي، ويتعاطف المواطن، ومن ثم يصبح (عبئاً) على نفسه والدولة والمجتمع والأمن. ******* (أولاً): المواجهات.. التساؤلات.. الاستنتاجات: مواجهات الجوف والقصيم والدمام التي أسفرت عن عدد كبير من قتلى الفئة الضالة مع حيازتهم مبالغ مالية كبيرة، وكمية ضخمة من الأسلحة والمتفجرات.. هذه الحوادث وبعد مرور (3) سنوات على (11-9) لها الكثير من الدلالات، وتستحق المزيد من القراءة السوسيولوجية المركزة، وذلك على النحو التالي: أولاً: هذه الحوادث، وإن كانت نتائجها، تُعد نجاحاً أمنياً باهراً يُحسب للمؤسسة الأمنية، إلا أن الوضع يُثير الكثير من الأسئلة، وعلامات الاستفهام، وربما علامات التعجب.. من أين وكيف جاء هذا العدد الكبير من الإرهابيين؟! ومن أين أتى هذا المال الذي وُجد بين أيدهم؟! ومن أين جاءت هذه الأسلحة؟!.. وفي كل مرة نحسب أننا وصلنا إلى نهاية النفق المظلم في القضاء على الإرهاب نجد أنفسنا في مواجهة جديدة.. وربما مرحلة أخطر.. فالمال يتدفق، والسلاح متاح، والإرهابيون يتجددون، وربما يتزايدون عدداً وعدة، ويتوفرون على تكتيكات جديدة للاختفاء والتخفي، و(الأخطر) من كل ما تقدم، هو أن هناك تجنيداً جديداً لمجموعات ضالة (لم تذهب) أصلاً إلى أفغانستان. ثانياً: بدا واضحاً من قراءة هذه المواجهات الإرهابية والحوادث التي سبقتها أن هناك دوائر واسعة ومتداخلة، وبدرجات متفاوتة، من التواطؤ الفكري والتعاون والتسهيل والتمرير والتمويل والتبرع وغض الطرف والتعاطف النفسي واللوجستي مع الفئة الضالة، وفي أخف الأحوال، وجود مشاعر من التسامح وعدم الاكتراث، وذلك من جانب قسم معتبر من شرائح المجتمع، تجاه الإرهابيين وما ينادون به، وإن كان بعض هؤلاء الناس قد لا يتواطؤون حركياً بحمل السلاح والمواجهة.. هذه الدوائر هي (مكمن الخطر) الحقيقي؛ لأنها المستقبِل الأول والحاضن والناقل لفيروس الإرهاب، والرحم الذي يدفع لنا بأفواج من الإرهابيين، ولذا، يجب على الدولة مواجهتها، والانتباه لها، ودراستها، والتركيز عليها، وتوجيه استراتيجية المكافحة لها، أكثر من الإرهابيين الفعليين. إن الفهم العلمي لهذه الدوائر، والتعرف على المناخ الفكري الذي يُغلفها، والإطار الاجتماعي الذي تعيش فيه، يمثل (المفتاح) الأساسي لأسلوب التعاطي الأمثل مع الظاهرة، ومن ثم المعالجة الشاملة لظاهرة الإرهاب من جذورها.. فهذه الدوائر أخطر بمراحل من قائمة ال(26) إرهابياً، والقائمة التي تلتها، وقد أثبتت الأيام قدرة رجال الأمن على اصطيادهم واحداً بعد الآخر، فلم يبق منهم سوى القليل.. أما الشرائح المتعاطفة فتلك قصة أخرى. ثالثاً: كشفت حوادث الإرهاب قدراً معيناً من تواضع مشاعر الوطنية لدى بعض شرائح المجتمع السعودي.. نعم، المجتمع السعودي ودود ومحب، ويغلب على أبنائه الطِيبة الفطرية.. إلا أن مشاعر الوطنية، ومشاهد المواطنة التي نراها ونسمع عن قصصها في المجتمعات الأخرى، خاصة في أوقات الحرب والسلم والأزمات الوطنية، ليست بالقدر المطلوب، ولعل هذا يعود إلى أننا مجتمع عشائري قَبلي، كان مفككاً ومتناثراً ورحالاً، وبالتالي، لم يعتدْ مفهوم الوحدة الوطنية، ولم يعرف مفهوم الدولة الحديثة المُوحدة ذات السيادة إلا مؤخراً.. كما يعود ضعف مشاعر المواطنة إلى عدم وجود سياسة وطنية واضحة وفعالة لتنمية قيم المواطنة وتعزيزها في نفوس السعوديين في مؤسسات المجتمع الثقافية والتربوية والإعلامية، يُضاف إلى ذلك سيطرة مفهوم (الأمة) ببعده الإسلامي الأُممي، وما حصل من تغذية متواصلة عبر الخطاب الديني السائد لفكرة (التنافر) بين الوطنية والإسلام في نفوس السعوديين طيلة عقود عدة خلت، لدرجة أن أصبح اسم (بلاد الحرمين) يطغى استعمالاً على مفردة (السعودية)، حتى في اللغة الدارجة بين الناس، ناهيك عن المشايخ والوعاظ والدعاة. رابعاً: توحي بعض الحوادث الإرهابية بوجود (اختراقات) لبعض أجهزة الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية.. وهذا متوقعٌ، فمؤسسات الأمن، والجيش، والإعلام، والتعليم، والمراكز الصيفية، وحلقات تحفيظ القرآن، وحلقات الذكر، ومنابر الدعاء والدعوة، ومجالس الوعظ والإرشاد، والمساجد والجوامع، والجمعيات الخيرية، والأسواق الخيرية، ومختلف فعاليات العمل الإنساني والخيري والتطوعي، كلها، تُعد من وجهة نظر الجماعات الإسلامية المتشددة، أهدافاً مشروعة، بل وضرورية لاختراق المجتمع، والتأثير فيه، وصياغته، ومن ثم حُكمه، ويُعدون هذه الأدوات الرسمية والشعبية، وغيرها، وسائل مهمة للعمل والتحرك، ولتسهيل تحقيق أهداف تلك التنظيمات، وهذا ما تشهد به، صراحة، أدبياتهم المنشورة. خامساً: ما زالت الحوارات العامة والخاصة، الرسمية وغير الرسمية، رغم مرور سنوات عدة على انبعاث فتنة الإرهاب وشرارته في الداخل، تدور على أسئلة كان يجب أن تكون لدينا إجابة واضحة عليها بعد مرور هذا الوقت.. لكننا للأسف ما زلنا نتساءل حتى يومنا هذا: هل الإرهاب ظاهرة عابرة؟ هل هو فقاعات وفرقعات إعلامية؟ هل هو مجرد حالة تغرير وعبث صبياني؟ هل نما الإرهاب عبر أكثر من عقدين من الزمن، وترعرع وتمكن، واشتد عوده بسبب غفلة، أو تشجيع، أو غض طرف من الدولة؟.. هل (القاعدة)، كما يقول البعض، (أيديولوجيا) أكثر منه (تنظيماً)، وأنه بمقدور أي شاب، أو حتى شابة، أن يطلق رصاصة ويلقي قنبلة، ثم يأتي شخص بعده ويطلق بياناً على الانترنت يتبنى هذا العمل؟.. هل الإرهابيون، فعلاً، هم من أبناء الوطن؟ هل هم (طغمة فاسدة)، وفئة محدودة، وأسماء معروفة يمكن اصطيادهم والقضاء عليهم سريعاً من قِبل رجال الأمن؟ هل الإشكال فينا نحن في الداخل؟ هل الإرهاب الواقع علينا مؤامرة خارجية؟ هل هو مؤامرة خارجية بأدوات داخلية؟.. هل الإرهاب نتيجة تحول في الموقف السياسي العالمي والمصالح الأمريكية التي حولت (المجاهدين)، فجأة، إلى (إرهابيين)، بعد أن خدموا أغراض الحرب الباردة عبر (50) عاماً خلت؟ هل نحن ضحية استراتيجية غربية صنعتْ، أو شجعت، الفكر الذي كان يحتاجه للقضاء على غريمه الشرقي، ولكن باستخدام أدواتنا المنهجية، فتم تشجيع بيئة فكرية متشددة ليحافظ الغرب على مصالحه، وامتد ذلك من الستينيات الميلادية حتى أحداث سبتمبر، وكانت المطية هي تشجيع فكر يقوم على تنشيط الإسلام وجهاده وسلفيته وصحوته وإخوانه وتبليغه، وتوهمنا أن ذلك حركة إسلامية محلية، بينما الواقع أن هذا الفكر صنيعة استراتيجية مُخططة لخدمة المصالح الغربية؟.. هل المشكلة محصورة فقط في قائمة ال (26) مطلوباً القادمة من أفغانستان؟ أم أن القوائم تزداد مع الأيام طولاً وتجدداً؟ هل مشكلتنا تلك الرحلة لأبنائنا إلى أفغانستان، الذين يُقدر عددهم في حدود (6.000 15.000) مقاتل، وعادوا ، ناهيك عن احتضانهم وإعادة تأهيلهم ؟ هل الإرهاب لدينا سببه مناخ فكري سائد ومُسيطر على جميع أدوات الثقافة والتربية والتعليم والوعظ في الداخل؟ هل الإرهاب بسبب ظروف اجتماعية ونفسية وتربوية خاصة تحيط بهؤلاء الإرهابيين أنفسهم؟ هل هو بسبب ظروف اقتصادية وسوء أحوال معيشية ضاغطة على المجتمع بأسره؟ هل سببه ارتفاع معدلات الفقر والبطالة؟ هل هي مشاعر الإحباط واليأس بين الشباب؟.. هل الإرهاب حالات فردية تعبر عن إحباطات شخصية؟ أم هي مواقف سياسية وفكرية، ولهذا كان هدفها الأجانب وأجهزة الدولة ومؤسساتها الأمنية؟ هل هو الجهل، ومحدودية العلم الشرعي، لدى هؤلاء الشباب؟.. هل الإرهاب نتاج ظروف سياسية، وجمود في الحراك والحيوية في المجتمع، وانسداد في الأفق السياسي، هل الإرهاب يعود لنقص في الديموقراطيات، وفي الحريات العامة؟ أم هو ضعف عدالة اجتماعية في المجتمع؟ هل هو ضعف مشاعر الوطنية وقوة مشاعر الانتماء للأمة الإسلامية وقضاياها، فكان الوطن وقضاياه هو الضحية؟ هل هو المناخ الدولي المتحيز ضد قضايا الإسلام والمسلمين والعرب، خاصة من الغرب، والاحتلال الأمريكي لأفغانستانوالعراق، والوجود الأمريكي الطاغي في المنطقة، والعربدة الإسرائيلية في فلسطين؟ هل هو نتاج الظروف الإقليمية؟ أم الظروف والأحوال الداخلية في المملكة؟.. هل الإرهاب نتاج خطاب ديني داخلي يُمكن وصفه بأنه خطاب: مُتشدد، مُنتفخ،إقصائي، أُحادي، فوقي، نصي، ماضوي، تعبوي، يُلقي اللوم على الآخر، مُنبعث من المؤسسة الدينية التقليدية وما تفرع عنها، الراسخة الجذور، أم الإرهاب مصدره الانغلاق والعزلة الاجتماعية، وعدم الرغبة في الانفتاح على الآخر، من قبل بعض الشرائح الاجتماعية المتوجسة، في المجتمع السعودي؟ هل الإشكال في المناهج التعليمية؟ هل الخلل في المعلم؟ أم أن ما حدث ما هو إلا نتيجة طبيعية لإفرازات عولمة الثقافة والاقتصاد والأفكار السياسية والتنويرية؟ أم بسبب ثورة المعلومات والاتصال والفضائيات، ورفع الحواجز بين الدول، وشيوع تقنية (الإنترنت) وسهولة استخدامه للتواصل على مستوى العالم، وبالتالي، تأثر شبابنا وتفاعلوا مع ما يرون ويسمعون عما يحدث في العالم العربي والإسلامي من مشكلات وقضايا وفتن؟.. ثم ما الذي يدفع شاباً في مقتبل العمر إلى أن يتحول إرهابياً قاتلاً حاقداً ؟ ولماذا يفعل ذلك؟ وهل (يختار) طوعاً أن يقتل نفسه انتحاراً؟ ومن المسؤول عن انتحاره: الحركات المتطرفة، أم المجتمع، أم الفقر وانتشار العشوائيات في المدن، وكثرة المهاجرين الفقراء من الأرياف، وانعدام فرص العمل، أم هو نفسه لأنه ارتضى أن يكون ضحية هذه العوامل مجتمعة؟.. ما هي تلك (المغناطيسية) في الفكر الإرهابي التي تجعل الشباب (ينجذب) إليه قلباً وقالباً، وتجعل حياته (تنقلب) رأساً على عقب، وتتحول قناعاته من النقيض إلى النقيض؟ ولماذا تتعاطف وتتسامح شرائح واسعة من المجتمع مع الفئة الضالة؟ ثم يبقى السؤال الكبير: ماذا فعلنا، عملياً، تجاه كل ذلك منذ أحداث 11-9؟.. إن الملفت للنظر أن هذه الأسئلة (المدببة) يمكن تفهّم إثارتها في البدايات عندما وقعت الواقعة منذ سنوات عدة.. لكن أن تظل هذه الأسئلة دون إجابة علمية، وتبقى حيرى ومحيرة لنا حكومةً ومجتمعاً ومفكرين ومخططين واستراتيجيين، بعد مرور كل هذه السنوات، فهذا غير مُبرر بأي مقياس، ولا يخدم المصلحة الوطنية، ولا المصالح العليا للوطن.. والمؤكد، أن (استمرارنا) في عدم الإجابة على هذه الأسئلة المركزية لن يقودنا إلى معالجة الإرهاب، ولن يؤدي بنا إلى اجتثاثه من جذوره الحقيقية في المجتمع، بشكل فعال. سادساً: باستعراض الجهود الحقيقية لمكافحة الإرهاب، في المملكة، في السنوات الماضية حتى الآن، فإن الواضح للمراقب أن التعاطي الأمني ما زال، عملياً، هو الحل الوحيد المطروح في الساحة الداخلية في مواجهة الإرهاب، وربما صاحب الحل الأمني، على طريقة (الحملات)، في سياق الجهد الفكري، خطاب عاطفي تقليدي عبر وسائل الإعلام الرسمية.. قد يكون هذا الخطاب الفكري أثار بعض الاهتمام والاستجابة، وأحدث بعض الأثر، في البداية، ولكنه تحول، مع مرور الوقت، إلى صيغ خطابية إنشائية سطحية جامدة، وغير مؤثرة في الفرد والجماعة والمجتمع.. إن الحل الأمني، وهو الأسهل، فعال بشهادة الجميع، ولكن على المدى القصير، فالتعويل على الجهد الأمني، دون غيره، يُخفي المظاهر ولا يقضي على الظواهر، وقد يؤدي الاعتماد عليه (وحده) إلى فتنة داخلية في حالة استمراره، إذ مع مرور الأيام سوف نجد أن أسراً كثيرة فقدت العائل والقريب والزوج، إما بالهرب والاختفاء، أو بالقتل، أو بالسجن، ما قد يثير ردة فعل سلبية عنيفة بين الناس، مستقبلاً، وفوق كل ذلك، فإنه ليس من العدل والإنصاف أن نضع عبء مكافحة الإرهاب على المؤسسات الأمنية وحدها، فالأمن وأدواته، عادة، هو خط الدفاع الأخير وليس الأول، كما أنه ليس من مهمات المؤسسات الأمنية وعملها وتخصصها القيام بوظيفة الدراسة والتحليل، أو التخطيط وإعداد الاستراتيجيات الوطنية لمكافحة الظواهر الاجتماعية السلبية، مثل ظاهرة الإرهاب وغيرها.. أخيراً، فإن الحرب على الإرهاب ليست حرب دبابة وبندقية ومدفع.. إنما هي في النهاية حرب أفكار وعقول ونفوس وجاذبيات، فالبندقية لا تُجيب عن أهم سؤال لفهم الإرهاب، في المجتمع، وهو: ما الذي يجعل شاباً ذكيا،ً مكتمل الصحة والعافية، مقبلاً على الحياة، يُقدم نفسه وحياته هكذا رخيصة، بهذا الشكل الذي يُدمي القلب، ويستفز الخيال، ويتحدى العقل، ويحير المنطق، ويُثير الفضول العلمي؟!. سابعاً: لكي تكون المفارقة واضحة بين جهود دولتين ومجتمعين في مكافحة الإرهاب، فلنستعرض، بإيجاز، تجربة الولاياتالمتحدةالأمريكية، على سبيل المثال، التي كانت ضحية للإرهاب، مع تجربتنا، هنا، في المملكة، التي هي، أيضاً، ضحية له، بل ونزيد عليهم أننا مُتهمون به، ما يجعل العبء مضاعفاً، والإشكال أكثر إلحاحاً.. فقد اتضحت، منذ الأيام الأولى لما حدث عندهم، معالم استراتيجية أمريكية، واضحة وشاملة ومُعلنة، للتعامل مع الإرهاب، داخلياً وخارجياً، وفيها عناصر الوقاية والعلاج والمبادرة والاستباق، ولعل من أبرز قسمات تلك الاستراتيجية، على سبيل المثال ما يأتي: * شكّل الرئيس الأمريكي لجنة وطنية عليا سُميت ب(لجنة 11-9)، وحُشد لهذه اللجنة جميع الإمكانيات السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاستخباراتية والمعلوماتية، وتكون الفريق من مجموعة مُنتقاة بعناية شديدة من أصحاب الرأي والاختصاص (10) أعضاء بارزين، يسندهم (84) مساعداً ومحللاً ومستشاراً من مختلف التخصصات، ووضع تحت تصرفهم (2.5) مليون وثيقة، وأجرى الفريق مقابلات مع (1200) فرد من (10) دول، وعقدوا (19) يوماً شهادات استماع، وشهادات علنية ل (160) شاهداً، وأُعطي الفريق مجالاً رحباً وواسعاً وحراً للحركة، ومُنح سبيلاً مطلقاً لكل الوثائق والمعلومات التي يطلبونها، وشملتْ مهمتهم موضوعات متعددة مثل: مشهد الإرهاب في العالم العربي والإسلامي، والتعاطف الشعبي معه، الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والدبلوماسية حول العالم، الجوازات والهجرة، أساليب تحويل الأموال للمنظمات الإرهابية، إجراءات الطيران المدني، توزيع بنود الميزانية العامة من قبل الجهات التشريعية الخ.. وكانت الأسئلة المطروحة على الفريق لإجابتها بشكل علمي ومنهجي: ماذا حدث؟ وكيف حدث ما حدث؟ وهل كان بالإمكان تجنب ما حدث؟ وكيف يمكن تجنب ما حدث مستقبلاً؟ وخرجوا في النهاية بتقرير مفصل، كُتب بمنهجية علمية واضحة ودقيقة ومباشرة، سمي ب(تقرير 11-9)، جاء في (567) صفحة، قدموه للرئيس، وقَبِله كاملاً، وتبنى جميع التوصيات الواردة فيه كسياسة وإجراءات مُعلنة للدولة للتعامل مع الإرهاب، واعتمد (الكونغرس) جميع المبالغ اللازمة لتفعيل توصيات التقرير، وهي مبالغ كبيرة جداً بكل المقاييس. * سخرت الحكومة الأمريكية أذكى العقول، وأنضج الخبرات الوطنية، وأكثر مراكز الأبحاث الاستراتيجية وأدوات استشراف المستقبل تقدماً، وجعلت من تلك المراكز أساساً مركزياً للتعامل الاستراتيجي مع الإرهاب.. ووجهت مخازن الفكر، في سياق جهدها الحربي والفكري والاستراتيجي، لفهم ما أصاب بلادهم ومجتمعهم. * قاموا بغزو أفغانستان واحتلاله في ظرف شهور مما حدث لهم، وتم اعتماد (91) مليار دولار للعمليات العسكرية في أفغانستانوالعراق (2005م). * ثم غزوا واحتلوا العراق في ظرف سنتين، متحدين في ذلك الرأي العام العالمي والإرادة الدولية مقابل مصلحتهم الوطنية، كما يرونها. * إقرار مبدأ الضربات الاستباقية في جميع أنحاء العالم كأداة في السياسة الخارجية لمكافحة الإرهاب. * تغير جذري في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، وتغيير كامل في الطاقم المؤثر في وزارة الخارجية الأمريكية. * تغير جذري في نمط العلاقات الأمريكية الدولية مع الحلفاء والأصدقاء، وترتيب علاقتهم مع تلك الدول من منطلق موقفهم وجهدهم في مكافحة الإرهاب عبر المقولة الشهيرة للرئيس جورج دبليو بوش: (إذا لم تكن معنا فأنت مع الإرهابيين!). * سن قانون تحويل السفارات الأمريكية إلى ما يُسمى: (قلاع الحرية) (تم اعتماد مبلغ 600 مليون دولار لبناء السفارة الأمريكية في بغداد، 2005م). * إعادة هيكلة جذرية في الأجهزة الأمنية والهجرة والجوازات. * استحداث وزارة مستقلة للأمن الداخلي. * جعل نشر (الديموقراطية)، والقبول بها، شرطاً أساسياً للتعامل مع دول العالم الثالث، خصوصاً في المنطقة العربية. * انتخاب وإعادة انتخاب سياسيين محافظين، يشكل موضوع مكافحة الإرهاب رأس أجندتهم السياسية داخلياً وخارجياً. * تغير مفهوم (الوسط) في الخطاب والممارسة السياسية الأمريكية، كما تعرفه أدبيات العلوم السياسية في الغرب، ودرجت عليه الولاياتالمتحدةالأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. * سن العشرات من القوانين والأنظمة والإجراءات على جميع المستويات الفيدرالية والمحلية لمكافحة الإرهاب. * الضغط المتواصل على دول المنطقة (الشرق الأوسط: مصر، سوريا، لبنان، السودان، المملكة العربية السعودية) لإحداث تغييرات واسعة في طيف واسع من المسائل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية، فعلى سبيل المثال، تم اعتماد مبلغ (270) مليون دولار لإصلاح التعليم في العالم العربي (2005م). * إنشاء إذاعة (سوا) مُوجهة للعالم العربي. * إنشاء محطة تلفزيون (الحرة) مُوجهة للعالم العربي. * رصدت الخارجية الأمريكية مبالغ مالية لتشجيع ورعاية (التجارب الديموقراطية) في العالم العربي والإسلامي. * استقطاب جيش كبير من مخازن الفكر Think Tanksلملء عدد من الفراغات الوظيفية في الدوائر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المؤثرة في القرار الداخلي والخارجي، وأصبحت التعيينات السياسية والوظائف العليا والقيادية تُستقطب من مراكز الدراسات الاستراتيجية المتقدمة التي لها توجهات محافظة ومتشددة تجاه معالجة ظاهرة الإرهاب في العالم. * مراجعة وتأهيل شامل لإجراءات مراقبة حركة الأموال وغسيلها حول العالم. * أصبح الإرهاب ومكافحته الشغل الشاغل للحكومة، ويكاد يطغى على كل شيء في الحياة السياسية، بل إن له الأولوية والسبق حتى على صعيد الأجندة الداخلية للإدارة الأمريكية، ولعله كان سبباً في إعادة انتخابها لفترة ثانية. * رصد مبالغ سنوية لجهود تحسين صورة أمريكا في العالم الإسلامي والعالم العربي. * التشدد في متابعة الزوار، وطالبي الهجرة والعمل، والطلاب والسائحين، وأخذ البصمات، ومتابعة عناوين الإقامة للزائرين للولايات المتحدة. * تجنيد جميع فعاليات المجتمع المدني والإعلام والنخب السياسية والثقافية والفعاليات الشعبية في سياق جهد الدولة لمكافحة الإرهاب.. وتفاعل المجتمع مع هذه الجهود على جميع الأصعدة. * فتح قنوات حوار مباشرة مع المنظمات الإسلامية كوسيلة للفهم المشترك. * إنشاء مركز أكاديمي لمكافحة الإرهاب. * الاستثمار في بناء زعامات جديدة للعالم العربي. ثامناً: وبالمقابل، ومع التسليم بوجود النوايا الصادقة، وبعض الجهود المخلصة المتناثرة، إلا أن المراقب للمشهد العام لهذه الجهود، في المملكة، يستنتج ما يأتي: * ما زال الحل الأمني، وما صاحبه من بعض الجهود الإدارية والرقابية على حركة الأموال، وبعض النشاطات المشبوهة والمشبوهين، هو التعاطي الواضح مع الظاهرة، وهو الذي يقود جميع جهود مكافحة الإرهاب في الداخل. * الخطاب الفكري، الذي قُصد منه تعضيد الحل الأمني في مناهضة الإرهاب، خطاب هزيل يتسم بالسطحية، والعاطفية، وضعف التأثير، ولا يلامس الجذور الحقيقية للإرهاب. * ما زالت الأسئلة الكبرى والمركزية لم تتم الإجابة عنها بأسلوب علمي بعد. * لم تظهر، حتى الآن، استراتيجية وطنية مُعلنة وواضحة لمكافحة الإرهاب، تتسم بالشمولية والتماسك، وتقودنا إلى اجتثاث الإرهاب من جذوره الحقيقية في المجتمع السعودي. * لا يوجد، حتى الآن، (مرجعية) إدارية وفنية موحدة في الدولة، مُسند إليها (ملف) معالجة الإرهاب في الداخل.. مرجعية تكون مسؤولة، وبشكل مباشر، أمام ولاة الأمر في المراجعة والمتابعة والتقويم، وإعداد التقارير الدورية عن مدى تقدم الجهود في المعالجة. تاسعاً: أهمية عدم الانسياق وراء من يقول إن غمامة الإرهاب قد انقشعت حتى لو مع غياب العمليات الإرهابية، فالإرهاب سوف يظل معنا طالما أن التعاطي مع الإرهاب ظل في النطاق الأمني، وطالما لم تُقتلع الجذور، وتُزل المناخات الفكرية والاجتماعية المتمددة في فعاليات المجتمع ومؤسساته، التي تعطي للإرهاب جاذبيته وبريقه في نفوس الشباب وعقولهم، وطالما لم يُزل الاعتقاد بأن الإرهاب والإرهابيين ليسوا (منا)، ولا من (أرضنا)، بل هم زبد شيطاني ألقتْ به أمواج عاتية على شواطئنا. عاشراً: يمكن الجزم، بثقة علمية مبررة، الآن، وبعد مرور هذه السنوات على موجات الإرهاب، أن الإرهاب، في المجتمع السعودي، (ظاهرة محلية)، فرسانها أبناء الوطن، ولذا يجب علينا أن (نفتش) عن بذورها، وأسباب انتشارها، وجاذبيتها، والتعاطف معها، في صلب ونسيج المجتمع نفسه، وأنه في ظل مقارباتنا لتفسير الظاهرة، في سياق المجتمع السعودي، لا ينبغي أن ننساق وراء تفسيرات (فردية) كالأزمات النفسية، فالإرهاب ظاهرة اجتماعية تتجاوز الأفراد، كما يجب ألا نلقي اللوم على تدني المستويات المعيشية، أو العشوائيات الإسكانية، فغالبية الضالين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة، وتلقوا تعليماً حديثاً، والمجتمع السعودي لا يعاني من أزمات فقر مدقع، وهذا ما تؤيده بعض الدراسات الحديثة، فقد أجرى مارك سيغمان، المتخصص في علم النفس السياسي، دراسة حول هذا الأمر على (150) مشتبهاً، ووجد أن نسبة من يعانون من الإحباطات النفسية بين الإرهابيين هي نفسها الموجودة وسط عامة الناس، وبالتالي، فإن نظريات علم النفس الغربية، حسب رأيه، عاجزة عن تفسير دوافع الإرهابيين. إن أقرب تفسير سوسيولوجي يمكن الدفع به، في هذه الورقة، وتأسيساً على قراءة فاحصة في التاريخ الإسلامي، وفي الشواهد الحية التاريخية حتى وقتنا الحاضر، مثل حركة (الإخوان) و(جهيمان)، وكيف كان (الدين) دافعاً حقيقياً للفرد للإقدام والشجاعة، وبذل الغالي والنفيس، والتضحية بالمال والأهل والنفس والولد، وبشكل لا يمكن تخيله وتصوره في الحالات الإنسانية العادية الطبيعية، فإن التفسير المنطقي لما يُقدم عليه الشاب لا بد أن يكون نتيجة شحنات مركزة ومتواصلة ومكثفة لخطاب ديني دعوي، اتسم بالتشدد، والإقصاء، وفَهْم ضيّق للولاء والبراء، والتعبوية، وتكفير المجتمعات والحكام، ولوم الآخرين، والحث على الجهاد، وأهمية بعث أمجاد المسلمين، والوعد بالنصر أو الشهادة، والحاكمية.. هذه الزخات النارية المركزة التي يتلقاها الفرد والجماعة والمجتمع السعودي، يومياً، طيلة هذه السنوات، مسخراً لها مؤسسات المجتمع ذات الصفة الجماهيرية، لا بد أن يكون لها صدى.. لا بد أن تتراكم، ولا بد أن يكون لها مردود وأثر ونتيجة، في يومٍ مُعين، في مكانٍ مُعين، من شخصٍ مُعين، في موقف مُعين.. هي، باختصار، حالة تهيئة نفسية ثقافية متواصلة، رافقها شحن إعلامي وتربوي وديني، جعلت شباباً ناجحاً (طلابا، أطباء، مهندسين، رجال أعمال صغارا، وأساتذة جامعات..) يتركون أعمالهم ووظائفهم ومدارسهم وجامعاتهم، وينضمون للجماعات الإرهابية، أو الذهاب إلى الجهاد في أفغانستانوالعراق والشيشان، تلبية لنداء: (يا خيل الله اركبي)!.. هذه الزخات والشحنات الدينية القوية، بحكم خصائصها المتشددة، تمثل عمليات قولبة عقلية ونفسية لأفكار الشباب، وبرمجة عصبية لاستجاباتهم، وإعادة تشكيل لتركيبتهم النفسية بشكل مختلف، فتُخرج لنا عقولاً متطابقة، تنصاع بإحكام لعقلية الجماعة وحكم التنظيم، مع غياب نقدي تام.. وليس أمامهم إلا (أجندة) واحدة زُرعت في وجدانهم وخيالهم وعقلهم تتمثل عناصرها في: إشهار الجهاد (الفريضة الغائبة)، إقامة الدولة الإسلامية، تحكيم شرع الله، محاربة المرتدين، إخراج المشركين من جزيرة العرب، تكفير المجتمعات، تكفير الحكام، إطلاق سرايا الجهاد في مشارق الأرض ومغاربها.. هذه هي (الأجندة المشتركة)عند هذه الجماعات، وبالتالي، فأعمالهم ونشاطاتهم وعملياتهم الإرهابية، في العالم كله، ليست أعمالا معزولة، أو فردية، بل ينتظمها خيط متصل وخط عام موحد، مهما اختلف الإرهابيون بينهم في الزمان والمكان، أو اللغة والدولة، أو في السبب المباشر للنزال مع السلطة والمجتمع.. أما التفسيرات الظرفية الإقليمية (فلسطين، العراق)، أو الدولية (الغطرسة الأمريكية، أفغانستان، العربدة الإسرائيلية)، أو المحلية (الفساد، انسداد الأفق السياسي، العشوائيات، سوء أحوال المعيشة، البطالة) فهذه ليست سوى محفزات للرافعة الأساس.