قبل اقدام شركة الخطوط الجوية البريطانية "بريتش ايرويز" على ابرام اتفاقين لشراء 221 طائرة جديدة بقيمة 14 مليار دولار، كانت صناعة الطيران العالمية تعاني من الازمة الاقتصادية الآسيوية التي ساهمت في خفض الطلب على شراء الطائرات الجديدة، الامر الذي جعل 19 طائرة من طراز "بوينغ" تقف في مرآب سيتل في الولاياتالمتحدة، و7 طائرات من طراز "ايرباص" تقف بدورها في مرآب تولوز في فرنسا، في حزيران يونيو الماضي، تنتظر من يشتريها، لذلك جاءت الصفقة البريطانية التي حضر رئيس الوزراء طوني بلير حفل توقيعها في مدينة تولوز الفرنسية مقر اتحاد الصناعات الجوية الاوروبية، بمثابة عملية انقاذ لصناعة الطائرات الاميركية والاوروبية من الركود، ثم جاءت بعدها صفقة شركة "الامارات" التي وقعت عقد شراء 6 طائرات ايرباص من طراز "أ340 500" بقيمة 2.4 مليار دولار مع قرار مبدئي بشراء 10 طائرات أخرى لتؤكد أن الشركة الأوروبية تقترب من السيطرة على نصف سوق الطيران المدني على حساب "بوينغ" الأميركية. وتبرز اهمية الصفقة البريطانية كونها اضخم صفقة في تاريخ الطيران المدني، إذ شملت 59 طائرة "ايرباص" من طرازات مختلفة بقيمة تسعة مليارات دولار، و16 طائرة "بوينغ - 777" بقيمة خمسة مليارات دولار، كما احتفظت الشركة البريطانية بحق خيار شراء 16 طائرة اخرى من الطراز نفسه من الشركة الاميركية. ويضم اسطول "البريطانية" 286 طائرة تتكون من سبعة طرازات رئيسية من بينه 241 طائرة "بوينغ" تضم في عدادها 78 طائرة "747" و18 طائرة "777". ولم يسبق للشركة ان اشترت طائرات "ايرباص". الا انها ورثت عشراً منه لدى شرائها شركة "بريتش كاليدونيان" العام 1988. وتحتاج الشركة البريطانية الى تجديد اسطولها المتقادم من طائرات "بوينغ - 737" 21 طائرة والطرازات الاخرى ذات الجسم المتوسط. وفي مطلع العام 1996 وقبل حدوث الازمة الاقتصادية الآسيوية، كانت شركات صناعة الطيران تراهن على النمو الاقتصادي في بلدان آسيا كأساس لازدهار الطلب على شراء الطائرات، وأفاد في ذلك الوقت تقرير وضعته شركة "بوينغ" الاميركية ان "دول آسيا والمحيط الهادئ ستقود النمو في حركة الطيران، وان معدل الطيران خلال السنوات العشر المقبلة سينمو في الصين وحدها بنسبة 14 في المئة سنوياً، وفي بقية دول آسيا والمحيط الهادئ بمعدل 8.7 في المئة سنوياً. كما ستنمو حركة السفر من دول آسيا والمحيط الهادئ الى أوروبا والاميركيتين بمعدل يتراوح بين 10 - 12 في المئة، وحركة الطيران العالمية بمعدل 8 في المئة على مدى عشرين سنة. ولمواجهة هذا النمو فضلاً عن استبدال الطائرات القديمة توقعت "بوينغ" أن تضيف شركات الطيران العالمية نحو 15900 طائرة جديدة تقدر قيمتها بأكثر من 1.1 تريليون دولار أميركي الى اساطيلها خلال الفترة نفسها. اما شركة "ايرباص" الاوروبية، فكانت تأمل بالحصول على حصة كبيرة من طلبات السوق الآسيوية، خصوصاً انها استولت في ذلك الوقت على 31 في المئة من هذه السوق في مقابل 34 في المئة لشركة "بوينغ". ولكن يبدو ان حسابات حقل صناعة الطيران لم تطابق حسابات بيدر النشاط الاقتصادي في آسيا، الامر الذي انعكس تأثراً بالغاً للازمة الاقتصادية الآسيوية على صناعة الطيران، وذلك نتيجة اقدام بعض الشركات الآسيوية على تقليص اساطيلها وتأجيل تسلم الطائرة الجديدة، ومثال على ذلك: 1 - خفضت شركة الخطوط الفيليبينية اسطولها من 54 الى 14 طائرة وسط مخاوف باحتمال خروجها من السوق. 2 - طلبت الخطوط الجوية الماليزية تأجيل موعد تسلم 9 طائرات "بوينغ" ضخمة. 3 - تواجه الخطوط التايلاندية بعض المصاعب في تمويل اوامر لشراء طائرات ضخمة من شركتي "بوينغ" و"ايرباص". وعلى رغم تأثير الازمة الآسيوية على صناعة الطائرات، فقد شهد الطلب على الطائرات الجديدة ارتفاعاً طفيفاً، حيث بلغ 638 طائرة في النصف الاول من هذا العام الى ما يعادل اكثر من 50 في المئة من مبيعات العام 1997 بكامله، ويعزى السبب في ذلك الى انتعاش السوق الاميركية والاوروبية. وتفيد بعض الاحصاءات ان اكبر 7 شركات طيران أميركية حققت دخلاً صافياً بلغ 6.2 مليار دولار في الربع الثاني من العام 1998، بزيادة قدرها 3.13 في المئة عن العام الماضي. وتأتي صفقة شركة الخطوط البريطانية بشراء 221 طائرة من شركتي "ايرباص" و"بوينغ" لتدعم عوامل الازدهار لصناعة الطيران في الاسواق الاوروبية. ويتوقع بوب ايلنج الرئيس التنفيذي لشركة "بريتش ايرويز" منافسة حامية بين اللاعبين الكبار في صناعة الطيران عبر الاطلسي لأن السوق المفتوحة ستجذب لاعبين جدداً فيما حولت شركات الطيران العالمية اتجاه طائراتها الفارغة من مسارات المحيط الهادئ الى الاطلسي. ويبدو ان خسائر كبيرة تكبدتها شركة "بوينغ" الاميركية لأسباب عدة غير النتائج السلبية للازمة الاقتصادية الآسيوية، ويرى المراقبون ان حصولها على صفقة بيع 16 طائرة للشركة البريطانية، لا يعوض لها الخسائر التي لحقت بها خلال 12 شهراً الماضية، لأن جهودها لمضاعفة الانتاج لمواجهة الطلب المتزايد منيت بالفشل مما اضطرها لتعليق الانتاج لمدة شهر حتى تنجز الاعمال الاخرى، وهذا ما قاد الى تأخير تسليم الطلبات مع زيادة النفقات على الاجر الاضافي، مع العلم ان عليها تصنيع 50 طائرة طراز 737 للوفاء بمتطلبات السلامة التي فشلت في مراعاتها، والاسوأ من ذلك ان اول 400 طائرة من هذا الطراز تم بيعها بالخسارة لأن البرنامج الرباعي لخفض التكاليف بنسبة 25 في المئة تم تعليقه. ولم تسلم "بوينغ" ايضاً من ضربات السوق التي بعثت لها بإشارات متشائمة، فلقد حازت "ايرباص" منافستها الاوروبية على 52 في المئة من طلبات الشراء الجديدة للنصف الاول من العام الحالي على رغم ان 60 في المئة من الطائرات المحلقة في الاجواء من صنع "بوينغ" مع استمرارها لاحتكار سوق طائرات الجامبو سعة 400 مقعد. واضافة الى الاسواق الاميركية والاوروبية، تركز صناعة الطائرات جهودها على المنطقة العربية، ومن هنا السؤال المطروح: ما هو وضع شركات الطيران العربية؟ وما حجم استثماراتها في تحديث اساطيلها؟ يوجد حالياً في الوطن العربي 17 شركة طيران عربية بالاضافة الى الشركتين الخليجيتين الجديدتين عمان وقطر، تملك 436 طائرة منها 260 طائرة اصبحت متقادمة، ما يجعل امر تبديلها ملحاً ويتطلب توفير مخصصات للاستثمار تبلغ 20 مليار دولار، في حين ان ايرادات الشركات تقدر سنوياً بأربعة مليارات دولار. غير ان شركة "ايرباص" الاوروبية توقعت ان تحتاج شركات الطيران في الشرق الاوسط وشمال أفريقيا الى حوالي 700 طائرة بحلول العام 2016، وتقدر قيمتها بنحو 45 مليار دولار، وقد وزعتها بين 413 طائرة لتلبية نمو الحركة و289 طائرة للحلول محل الطائرات الواجب استبدالها. وتنقسم الطائرات الجديدة بين فئة الممر الواحد، التي تشكل 400 طائرة، وفئة الطائرات ذات الجسم العريض، التي تشكل 300 طائرة. اما الدول التي شملتها دراسة "ايرباص" فهي: الاردنوالامارات العربية المتحدة والبحرين وتونس والجزائر وسلطنة عمان والسودان وسورية وقطر والكويت ولبنان ومصر والمملكة العربية السعودية والمغرب واليمن، اضافة الى أثيوبيا وإيران. وترتكز الدراسات التي اجرتها صناعات "ايرباص" لأسواق الشرق الاوسط وشمال أفريقيا على نمو متوقع لحركة النقل الجوي بنسبة 3.4 في المئة، وهي قريبة من معدل النمو الدولي البالغ 5.4 في المئة واعتمدت الدراسة على تحليل مفصل شاركت فيه 18 شركة طيران في المنطقة. وتهدف استراتيجية "ايرباص" وهي تحالف أوروبي يضم "ايروسباسيال" فرنسا و"دايملر - بنز ايروسبيس ايرباص" ألمانيا و"بريتش ايروسبيس" بريطانيا و"كاسا" إسبانيا الى السيطرة على حصة دائمة بنسبة 50 في المئة من السوق مطلع العقد المقبل، مع العلم ان كل الناقلات الرئيسية في الشرق الاوسط ومعظم الناقلات الرئيسية في شمال أفريقيا هي من زبائن مجموعة "ايرباص" او من مستخدمي طائرتها. ولكن كيف يمكن تمويل تطوير الاسطول الجوي العربي؟ في الواقع، وعلى رغم بعض المصاعب التي تواجه اقتصادات المنطقة، فإن شركات التمويل العالمية لا تزال تعتبر ان شركات الطيران في الشرق الاوسط تمتلك امكانات كبيرة تؤهلها للاقتراض من المؤسسات المالية الدولية، في الوقت الذي تملك خيارات عدة للاقتراض من اسواقها المحلية والاقليمية. مع الاشارة الى انه نظراً الى ضخامة الكلفة وارتفاع اسعار الطائرات بحدة خلال السنوات الاخيرة، قد تتجه شركات الطيران في الشرق الاوسط في المرحلة المقبلة الى استئجار الطائرات بدلاً من شرائها مباشرة من الشركات الصانعة