اطلعت على التعقيب الذي كتبه الزميل عبدالرحمن الخطيب، تحت عنوان"موتى غزة"شهداء"... لا"قتلى"! للرد على مقالتي المنشورة بصحيفة"الحياة"التي كانت بعنوان"فلان..."قتيل"أم"شهيد"؟ وقد أذهلني من عُرِّف في مذيلة المقال بأنه باحث في الشؤون الإسلامية أن يكتب تعقيباً يفتقد للموضوعية العلمية في الرد، وسألخص ردي وتعقيبي في النقاط الآتية: النقطة الأولى: نسب الكاتب في مطلع رده أنني قلت لفظياً ما نصه"انه ليس كل من يُقتل في سبيل الله يُعد شهيداً"وللكاتب أن يعود للمقال ويقرأه من أوله إلى آخره، وله أن يقلبه ذات اليمين وذات الشمال ليطلعنا من أين استقى هذه العبارة! ونص العبارة التي ذكرتها هي"انه قد وردت العديد من الآثار التي تنهى عن إطلاق وصف الشهادة على أحد كائناً من كان إلا من شهد له الله ورسوله"، فالنهي في العبارة مقيد عن إطلاق لفظ الشهادة على أحد وليس على العموم، فنحن نقول إن كل من يُقتل في سبيل الله فهو شهيد من غير تحديده لمعين أو لفئة، أما تعيين الوصف على أحد فلا يجوز إلا لمن شهد له الله أو رسوله بذلك، وهذا كقولنا وكما هو معلوم لدى الكاتب، أننا نشهد بأن جميع المسلمين والمؤمنين يدخلون الجنة بصيغة العموم من غير تحديد أو تقييد إلا من شهد له الله أو رسوله بذلك، فلا يصح لأحد كائناً من كان أن يحكم على إنسان بعينه مهما بلغ صلاحه وتقواه، أو على آحاد وجماعات معينة بأنهم من أهل الجنة، وكذلك الحال بالنسبة للكفار. النقطة الثانية: زعم الكاتب أنني بترت الجزء الأهم من الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه في شأن قادة غزوة مؤتة، وذلك من أجل إثبات الرأي الذي قلت به، ويا ترى ما هو هذا الجزء الأهم؟! ان قوله عليه الصلاة والسلام"ما يسرهم أنهم عندنا"، ولا أدري ما هو وجه الاستدلال من هذه العبارة المهمة، كما وصفها على جواز إطلاق لفظ الشهيد على أحد! ولو سلمت فرضاًَ للكاتب أن هذه العبارة هي نص صريح على جواز إطلاق لفظ الشهيد على أحد، فهل من شهد بذلك هو أحد الصحابة أم النبي عليه الصلاة والسلام؟! والعجيب أن الكاتب ترك إرشاد النبي الصريح وتعليمه للأمة من على المنبر بقوله أصيب زيد وأصيب جعفر وأصيب ابن رواحة وذهب ليتمسك بعبارة"ما يسرهم أنهم عندنا"كدليل على صحة قوله، مع أن من المسلم به أن النبي عليه الصلاة والسلام له أن يشهد لكائن من كان بالشهادة وبالجنة والنار. النقطة الثالثة: حاول الكاتب أن يشكك في صحة الفتوى الصادرة من الشيخ محمد بن عثيمين، وذلك بقوله:"إن صح النقل عنه"، ولعل هذا التشكيك لم يصدر إلا لقصور علم الكاتب بتراث الشيخ، وسأنقل للقارئ كلام الشيخ بن عثيمين، ليس من موضع واحد فحسب بل من مواضع عدة، كما أشرت في مقالتي، فقد سئل الشيخ في سلسلة لقاء الباب المفتوح رقم"65"السؤال التالي: إذا قتل المسلم في أي معركة بين المسلمين والكفار هل نصفه بأنه شهيد؟ الجواب: المقتول في الجهاد لا نقول: إنه شهيد، حتى ولو كان بين المسلمين والكفار، لأن النبي قال:"والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك"فقوله:"والله أعلم بمن يكلم في سبيله"، يعني: أنه لا علم لنا"لكن نرجو أن يكون شهيداً، ولهذا بوب البخاري على هذه المسألة بقوله:"لا يقال: فلان شهيد"، وذكر هذا الحديث الذي ذكرته لكم، لكن مع هذا نرجو للإنسان أن يكون شهيداً إذا علمنا صلاح حاله، وأنه رجل صالح، ولم يقاتل إلا لتكون كلمة الله هي العليا، فنرجو أن يكون شهيداً. ثم إن قولنا شهيد بالنسبة لهذا المقتول لا يستفيد منه، لأنه إن كان شهيداً عند الله فهو شهيد، سواء قلنا أو لم نقل، وإن لم يكن شهيداً فإنه لا ينفعه قولنا إنه شهيد، ولكن من قتل من المسلمين في المعركة فإنه يعامل ظاهراً معاملة الشهداء كما هو معروف ظاهراً، لأننا في الدنيا نعامل الإنسان على ظاهره، لكن في الآخرة يعامل الإنسان بما في قلبه، ويعطى حكم الشهيد في الأحكام، ولكننا لا نشهد له. الآن ألسنا نصلي على الجنازة؟ الآن نصلي عليه على أنه مسلم، ونعامله معاملة المسلم، والمسلم مآله الجنة، فهل نشهد لهذا الميت بأنه من أهل الجنة؟ لا. فالمعاملة غير مسألة الشهادة. وسئل ايضاً في لقاء الباب المفتوح رقم"202": من هو الشهيد في سبيل الله؟ الجواب: الشهادة في سبيل الله هي: أن يقتل الإنسان وهو مقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، هذا الميزان، إذا قتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو شهيد، لكن هل أشهد على هذا الرجل بعينه أنه شهيد؟ لا يجوز، فلا تغتر بكلام الناس، اسمع كلام البخاري في صحيحه قال: باب لا يقال فلان شهيد، إلا على من ثبت أنهم شهداء مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام لما صعد الجبل في أحد اهتز الجبل فقال:"اسكن أو اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان"، النبي محمد عليه الصلاة والسلام، والصديق أبو بكر، والشهيدان عمر وعثمان رضي الله عنهم. إذاً نشهد أن عثمان شهيد وعمر شهيد وعلياً شهيد، لكن من قتل مجاهداً لا نقول: إنه شهيد. ثم استدل البخاري بحديث، قد يخفى على كثير من الناس، وهو قوله عليه الصلاة والسلام"ما من مكلوم يُكلم في سبيل الله - والله أعلم بمن يُكلم في سبيله - إلا إذا كان يوم القيامة يجيء وجرحه يثعب دماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك"، أخذ من قوله:"والله أعلم بمن يكلم في سبيله"، أنه لا يجوز أن نقول: فلان شهيد"لأن هذا علمه عند الله، وذكر صاحب فتح الباري أثراً عن عمر رضي الله عنه أنه خطب وقال:"أيها الناس! إنكم تقولون: فلان شهيد، فلان شهيد ولعله أن يكون فعل كذا أو كذا ولكن قولوا: من قتل في سبيل الله أو مات فهو شهيد". إذاً لا نقول لشخص معين إنه شهيد حتى لو كان قتل في صفوف المسلمين وهو يقاتل الكفار، والله أعلم. وبنحو هذا الكلام في سلسة نور على الدرب"213"، وكتاب ألفاظ ومفاهيم في ميزان الإسلام"ص 18"، وفي سلسة"فتاوى الحرم المكي1409ه". النقطة الرابعة: من العجيب أن يتهمني الكاتب بالقصور في المعرفة والإطلاع في ما يتعلق بمعنى الشهادة، وفي مقابل ذلك نراه لا يحسن التفريق بين شهيد الدنيا وشهيد الآخرة، حيث إنه نقل ما يتعلق بذلك التقسيم من غير إمعان أو تدقيق لما نقل، فهو قال بعد ذكر الأحاديث المتعلقة بالحكم بالشهادة عموماً لمن مات بالحريق أو الغرق... ما نصه"ويتحصل مما ذكر في هذه الأحاديث أن الشهداء قسمان: شهيد الدنيا، وشهيد الآخرة وهو من يقتل في حرب الكفار مقبلاً غير مدبر مخلصاً. وشهيد الآخرة وهو من يقتل في حرب الكفار مقبلاً غير مدبر مخلصاً. وشهيد الآخرة وهو من ذكر، بمعنى أنهم يعطون من جنس أجر الشهداء، ولا تجري عليهم أحكامهم في الدنيا"، ولاشك أن القارئ لن يفهم من هذا الكلام الفرق بين شهيد الدنيا وشهيد الآخرة، والصحيح أن يقال بأن الشهداء قسمان: شهيد الدنيا، وشهيد الآخرة، وشهيد الدنيا هو من يقتل في حرب الكفار مقبلاً غير مدبر، وشهيد الآخرة من ذكر خلافه كالمبطون، والغريق... وهؤلاء يعطون من جنس أجر الشهداء ولا تجري عليهم أحكامهم في الدنيا. [email protected]