نسمع كثيرًا في خضم الأحداث والفتن التي تعصف بالأمة الإسلامية عبارة فلان شهيد، فما من قتيل يقتل إلا وقالوا الشهيد فلان؟ ولا شك أن ذلك تساهل وتقول على الله بغير علم، وبيان ذلك أن الشهادة إذا كانت مقيدة بوصف كأن يقال من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد ...الخ فهذا جائز لدلالة النصوص عليه، لكن الممنوع هو التساهل الذي نسمعه الآن في شهيد المعركة فما من قتيل يقتل في مظاهرة أو في مواجهة الا ويطلق عليه شهيد وهذا ممنوع شرعًا، فلا يجوز أن نطلق على أحد بعينه ونقول هو شهيد، فلا يشهد لأحد بالشهادة إلا لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بذلك بنص صحيح صريح عنه، ولذلك ترجم البخاري -رحمه الله- لهذه المسألة بقوله «باب لا يقال: فلان شهيد». قال ابن حجر -رحمه الله- في الفتح 90/6: «أي على سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي وكأنه أشار إلى حديث عمر أنه خطب فقال: تقولون في مغازيكم: فلان شهيد، ومات فلان شهيدًا ولعله قد يكون قد أوقر راحلته، ألا لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات في سبيل الله»، أو قُتل فهو شهيد» أمر آخر وهو أن الشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين، وهذا الذي قُتل ليس عندنا علم ولا يقين بنيته فهذا أمر قلبي لا يعلمه الا الله ولذلك قال عليه الصلاة والسلام «مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله»، وقال: «والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يثعب دمًا اللون لون الدم، والريح ريح المسك» ومن كان ظاهره الصلاح والاستقامة نحسن الظن به ونعامله معاملة الشهداء فإذا قتل في أرض المعركة نجري عليه أحكام الشهيد فندفنه بدمائه في ثيابه من غير غسل ولا صلاة عليه. وسبب المنع هو أن مقتضى الشهادة له بأنه شهيد لزم من ذلك أن نشهد له بالجنة، وهذا خلاف منهج السلف فما كانوا يشهدون لاحد بالجنة إلا لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه بعض الاحاديث التي تدل على عدم جواز التسرع في اطلاق كلمة شهيد على كل قتيل: 1- عَنْ أَبِي موسى رضي الله قال : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الرَّجُلُ: يُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» رواه البخاري 2- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ، فَمَاتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُوَ فِي النَّارِ» ، فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا»رواه البخاري 3- وعن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَعْظَمِ المُسْلِمِينَ غَنَاءً عَنِ المُسْلِمِينَ، فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الحَالِ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى المُشْرِكِينَ، حَتَّى جُرِحَ، فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَجَعَلَ ذُبَابَةَ سَيْفِهِ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْرِعًا، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ» قَالَ: قُلْتَ لِفُلاَنٍ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَيْهِ» وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِنَا غَنَاءً عَنِ المُسْلِمِينَ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لاَ يَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا جُرِحَ اسْتَعْجَلَ المَوْتَ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: «إِنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ»رواه البخاري. وعليه لا يجوز لنا إطلاق كلمة شهيد على كل أحد بل نقول نحسبه من الشهداء، وفق الله إخواني القراء للعمل النافع والقول الصالح.