كتب الأخ حسن سالم مقالاً في صحيفة"الحياة"يوم 12-1-2009 بعنوان"فلان قتيل أم شهيد؟"، نفى فيها الشهادة عن أهل غزة جميعهم. وأنه ليس كل من قيل بأنه قُتل في الجهاد في سبيل الله يعد شهيداً. إذ أخذنا بقول الكاتب، بالتقيد بلفظ الكلمة، وبأن الشهادة لا تطلق إلا من شهد له الله ورسوله بذلك، فعلى هذا المعيار فإن الشهداء منذ عهد الرسول وإلى أحداث غزة لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة. وهذا يتناقض كلياً مع مفهوم الشهادة التي ذكرها تعالى في كتابه الحكيم، إما بمعنى الموت، أو القتل، أو قضاء النحب في ساحات الوغى، وكلها تصب بمعنى الشهادة. قال تعالى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً. وقال تعالى: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون، وقال تعالى: فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنت تجري من تحتها الأنهار. وقوله تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً. إن جل أحاديث الرسول التي ذكر فيها الموت أو القتل في الغزوات تشير بشكل صريح أو مجازي إلى أنهم شهداء. فعلى سبيل المثال: قوله صلى الله عليه وسلم:"إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض". ولهم دار سمّها تعالى"دار الشهداء". ويوم قال لأم الربيع بنت البراء، يوم قتل في بدر:"إن ابنك في الفردوس الأعلى". وقال:"يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد". إنه ليس من الأمانة العلمية بتر جزء من الحديث لإثبات صحة رأي مغلوط، فقد بتر الكاتب، جزءًا مهماً من الحديث الذي أورده عن غزوة"مؤتة"في قول الرسول:"ما يسرهم أنهم عندنا". قال ابن حجر في"فتح الباري":"أي لما رأوا من الكرامة بالشهادة فلا يعجبهم أن يعودوا إلى الدنيا كما كانوا من غير أن يستشهدوا مرة أخرى". وفي الغزوة ذاتها في"صحيح مسلم"قول رسول الله:"ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة". وما نقله الكاتب عن الشيخ ابن عثيمين، إن صح النقل، فهو مجتزئ من حديث البخاري"باب لا يقول فلان شهيد". وكان من الأحرى التقيد كاملاً بما ورد في الحديث. قال ابن حجر في"فتح الباري"في هذا الباب: والسبب لأن الرجل كان قتل نفسه بسيفه، فعدّه رسول الله بهذه الفعلة كافراً. واستطرد ابن حجر في الكلام فنقل قول عمر بن الخطاب:"لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله: من مات في سبيل الله أو قتل فهو شهيد. وهو حديث حسن. وعلى هذا فالمراد النهي عن تعيين وصف واحد بعينه بأنه شهيد"، بل يجوز أن يقال ذلك على طريق الإجمال. ولذلك أطبق السلف على تسمية المقتولين في بدر وأحد وغيرهما شهداء. والمراد بذلك الحكم الظاهر المبني على الظن الغالب". كما صنف ابن حجر باباً سمّاه"باب من يصرع في سبيل الله فمات فهو منهم"، أي من الشهداء. إن مكانة الشهيد عظيمة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية. وإن الجهاد في سبيل الله من كمال الإيمان، وقوة اليقين. جاء في"صحيح البخاري"قول الرسول:"أفضل العمل الإيمان بالله والجهاد في سبيله". وفيه أيضاً عن أبي هريرة قوله:"جاء رجل إلى الرسول فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد، قال: لا أجد". وعن أنس أن رسول الله قال: لغدوة في سبيل الله، أو روحة خير من الدنيا وما فيها". إن تعريف من هو الشهيد، إن كان قد خفي عن الكاتب فهذا يعني أنه لديه قصور في المعرفة والاطلاع لديه، فقد كُتب عن الشهيد الكثير، ولنأخذ ما جاء في"فتح الباري"، على سبيل المثال، قال ابن حجر في"باب الشهادة سبع سوى القتل":"اختلف في سبب تسمية الشهيد شهيداً، فقال النضر بن شميل: لأنه حي، فكأن أرواحهم شاهدة أي حاضرة. وقال ابن الأنباري: لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة. وقيل: لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعدّ له من الكرامة. بعض هذا يختص بمن قتل في سبيل الله، وبعضها يعم غيره. أخرج مالك من رواية جابر بن عتيك أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبدالله بن ثابت، فذكر الحديث وفيه:"ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: من يقتل في سبيل الله، وفيه الشهداء السبعة: المطعون، والمبطون، والغريق وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله، والحريق، وصاحب ذات الجنب، والمرأة تموت بجمع"أي النفساء". وفي"مسلم"من طريق أبي صالح بلفظ"ومن مات في سبيل الله فهو شهيد". وروى أصحاب السنن:"ومن مات دون مظلمته فهو شهيد". وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة، وفي"باب من ينكب في سبيل الله"من وقصه فرسه، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه على أي حتف إن شاء الله تعالى فهو شهيد. وصحح الدارقطني من حديث ابن عمر"موت الغريب شهادة". ولابن حبان من حديث أبي هريرة:"من مات مرابطاً مات شهيداً". ومن حديث ابن عباس مرفوعاً: المرء يموت على فراشه في سبيل الله شهيد". وقال ذلك أيضا المبطون، واللديغ، والغريق، والشريق، والذي يفترسه السبع، والخار عن دابته. ولأبي داوود من حديث أم حرام:"المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد". ومن طلب الشهادة بنية صادقة يكتب شهيداً. قال ابن التين: هذه كلها ميتات فيها شدة تفضل الله على أمة محمد بأن جعلها تمحيصاً لذويهم وزيادة في أجورهم، يبلغهم بها مراتب الشهداء. ويتحصل مما ذكر في هذه الأحاديث أن الشهداء قسمان:"شهيد الدنيا، وشهيد الآخرة وهو من يقتل في حرب الكفار مقبلاً غير مدبر مخلصاً. وشهيد الآخرة وهو من يقتل في حرب الكفار مقبلاً غير مدبر مخلصاً. وشهيد الآخرة وهو من ذكر، بمعنى أنهم يعطون من جنس أجر الشهداء ولا تجري عليهم أحكامهم في الدنيا. وفي حديث العرباض بن سارية عند النسائي وأحمد:"يختصم الشهداء والمتوفون على الفراش في الدين يتوفون من الطاعون فيقول: انظروا جراحهم، فإن أشبهت جراح المقتولين فإنهم معهم ومنهم، فإذا جراحهم قد أشبهت جراحهم، وإذا تقرر ذلك فيكون إطلاق الشهداء على غير المقتول في سبيل الله مجازاً، فيحتج به من يجيز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، والمانع يجيب بأنه من عموم المجاز، فقد يطلق الشهيد على من قتل في حرب الكفار لكن لا يكون له ذلك في حكم الآخرة لعارض يمنعه كالانهزام وفساد النية". في"صحيح الترمذي"قال سعيد بن زيد:"سمعت رسول الله يقول: من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد". وأهل غزة يقتلون دون الثلاثة الذين ذكرهم الحديث، أفليسوا شهداء؟ وفي"صحيح مسلم"يقول رسول الله:"من طلب الشهادة صادقاً أعطيها وإن لم تصبه". وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم قول الرسول:"من سأل الله القتل في سبيل الله صادقاً من نفسه ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد". رحم الله أرواح شهدائنا في غزة، ونسأل الله العلي العظيم أن يميتنا ميتة الشهداء. * باحث في الشؤون الإسلامية