"خبر عاجل: استشهاد 30 فلسطينياً في غارة إسرائيلية على غزة"..."خبر عاجل: مقتل 20 فلسطينياً في غارة إسرائيلية على غزة". ما بين الخبرين، وما بين لفظ"الشهيد"مقابل نظيره"القتيل"، يظهر أن كثيراً من الموازين تختل لدى شريحة كبرى من الناس تجاه عدد من القضايا والمواقف العالقة في أوقات الفتن والحروب. وغالباً ما تكون الكفة فيها تميل للمشاعر والعواطف، وذلك على حساب المنطق والعقل والحكمة، بل وحتى على الشرع ذاته، ولعل من تلك المواقف استياء الكثير من الناس وباختلاف مستوياتهم من عدد من الجهات الإعلامية والصحافية التي تكتفي بوصف ضحايا المجازر الإسرائيلية التي تقع على إخواننا في غزة بضحايا العدوان أو بالقتلى، ونحو تلك التعبيرات والاصطلاحات والعدول بها عن إطلاق وصف مقتل الشهيد فلان، أو إطلاق وصف الشهادة على أفراد أو جماعات من ضحايا ذلك العدوان الآثم. ولا شك أن مثل ذلك الاستياء نابع من عواطف جياشة لدى الكثيرين تجاه مصاب إخواننا في فلسطين، فبشعورهم بالعجز عن فعل وتقديم أي شيء لإيقاف تلك المجازر الدموية، يرى أن الكثير يسلي نفسه ومن منطلق عاطفي صرف بإطلاق وصف الشهادة على أولئك الضحايا الأبرياء إرضاءً لضميره. إننا إذا رغبنا أن نضع مقياساً صحيحاً لهذه القضية فلا بد من النظر تجاهها وفق الرؤية الشرعية وليس وفق النظرة العاطفية الجماهيرية. لقد وردت العديد من الآثار والنصوص والفتاوى التي تنهى عن إطلاق وصف الشهادة على أحد كائناً من كان إلا من شهد له الله ورسوله بذلك. فالنبي"عليه الصلاة والسلام"عندما قام خطيباً يصف للصحابة ما حصل لقادة الغزوة الشهيرة مؤتة:"أخذ زيد الراية فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبدالله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له"وعيناه تذرفان. فالنبي لم يصف أحداً من قادته بأنه استشهد كما هو صنيعنا في هذا الزمان، بل قال أصيب زيد وجعفر وعبدالله، أفليس لنا في رسول الله أسوة حسنة؟ وهكذا سار الصحابة على نهج النبي عليه الصلاة والسلام، فقد روى ابن المبارك وابن أبي شيبة عن مدرك بن عوف الأحمسي قال: كنت عند عمر رضي الله عنه إذ جاءه رسول النعمان بن مقرن الصحابي الشهير فسأله عمر عن الناس، فقال: أصيب فلان وفلان وآخرون لا أعرفهم، فقال عمر رضي الله عنه: لكن الله يعرفهم. فهو قال أصيب فلان وفلان ولم يقل استشهد فلان وفلان. وروى سعيد بن منصور في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"إياكم أن تقولوا مات فلان شهيداً أو قتل فلان شهيداً، فإن الرجل يقاتل ليغنم ويقاتل ليذكر ويقاتل ليرى مكانه"إلى غير ذلك من الآثار. وها هو الإمام القرطبي صاحب التفسير الشهير قال معلقاً على الآية 169 من سورة آل عمران"وحصل لدينا نازلة في قرطبة حيث أغار العدو صبيحة الثالث من رمضان المعظم سنة سبع وعشرين وستمئة والناس على غفلة، فقتل وأسر، وكان من جملة من قتل والدي رحمه الله، فسألت شيخنا المقرئ أبا جعفر أحمد المعروف بأبي حجة فقال: غسله وصلي عليه، فإن أباك لم يقتل في المعارك بين الصفين. ثم سألت شيخنا ربيع بن عبدالرحمن بن أحمد بن ربيع بن أبي فقال: إن حكمه حكم القتلى في المعترك". فالقرطبي على جلة قدره لم يسوغ لنفسه أن يصف والده بأنه استشهد، بل قال وكان من جملة من قتل والدي، وكذلك أجابه شيخه بأن حكمه حكم القتلى في المعترك ولم يقل الشهداء. وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين، رحمه الله، في أكثر من مجمع عن حكم إطلاق لفظ الشهيد على من يقتل في سبيل الله، ومن ذلك أنه سئل في سلسلة لقاء الباب المفتوح"65"فأجاب:"المقتول في الجهاد لا نقول: إنه شهيد، حتى ولو كان بين المسلمين والكفار، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك فقوله: والله أعلم بمن يكلم في سبيله يعني: أنه لا علم لنا، لكن نرجو أن يكون شهيداً"، وقال:"ثم إن قولنا شهيد بالنسبة لهذا المقتول لا يستفيد منه، لأنه إن كان شهيداً عند الله فهو شهيد، سواء قلنا أو لم نقل، وإن لم يكن شهيداً فإنه لا ينفعه قولنا إنه شهيد"، وكذلك توقف الشيخ في جواز قول استشهد فلان"فتاوى الحرم 1409ه". وكذلك سئل المتحدث الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله"سلسلة الهدى والنور 201"السؤال التالي: ما حكم إطلاق كلمة شهيد على من يقتل في أفغانستان مجاهداً؟ فأجاب:"بأنه لا يجوز ذلك إلا بقيد فيما نحسب أو نظن ولا نزكي على الله أحداً كما جاء ذلك عن رسول الله". إن الامتثال للرؤية الشرعية تجاه هذه القضية لا يعني بأي حال من الأحوال التقليل من شأن صمود ومقاومة وتضحية إخواننا في فلسطين كما قد يصوره البعض الذين جعلوا الفيصل في حقيقة المناصرة هي لمجرد إطلاق لفظ الشهادة، فأي كاتب أو صحيفة أو قناة إعلامية وصفت الضحايا بالشهداء فهي صاحبة العزة والإباء والمقاومة، وفي المقابل بوصف من كان على خلاف ذلك بالخذلان والخنوع والعمالة للغرب! إن الوضع السياسي والأزمة الخطرة التي نمر بها تدعونا لأن نكون جميعاً أكثر تكاتفاً وتعاوناً في رفع الظلم عن إخواننا الفلسطينيين لا أن نسلط سيوف الاتهام على رقاب بعضنا البعض بالعمالة والتبعية للغرب، وذلك لمجرد أنني قلت عن القتلى بأنهم ضحايا ولم أصفهم بالشهداء، وفي المقابل لا أتهم من استخدم تعبير الشهداء بالتلاعب بمشاعر الجماهير طالما أنه اعتمد في ذلك على قول عالم معتبر، إن على وسائل الإعلام لدينا باختلاف أنواعها وتوجهاتها أن تتوحد جهودها لنقل الواقع الحقيقي لمأساة إخواننا للعالم بأسره، فالتاريخ سيشهد على ما قمنا به تجاههم. [email protected]