"خرافة التفوق الأميركي"... أحدث وأخطر كتاب صدر في أميركا منذ أيام، ولهذا الكتاب حكاية لا بد أن تُروى، بطلها المؤلف الذي أقر بأنه تعمد إصدار الكتاب على عجل كي يتزامن مع بداية عام الانتخابات الأميركية المقرر إجراؤها في نوفمبر تشرين الثاني المقبل، أما المؤلف فهو جورج سوروس، اسم ذائع الصيت ليس في أميركا فقط بل في كل أنحاء العالم، وإن كان سيئ السمعة، فهو يصنف كواحد من"سادة العالم"الخمسين، ويحتل المرتبة 28 بين أثرياء الولاياتالمتحدة، طبقاً لتصنيف مجلة"فوربس"لعام 2003، وهو نموذج للمضارب الدولي، جمع من اللعب في البورصة ثروة تجاوزت 12 بليون دولار. ليس هذا فحسب بل اقترن اسمه دوماً بالمضاربات المدمرة في أسواق المال العالمية، وهو أحد أبرز رموز القوة المالية للوبي اليهودي العالمي، الذي يُحمله كثيرون مسؤولية اهتزاز اقتصاديات دول عدة، خصوصاً ما حدث في جنوب شرق آسيا عام 1997 وانهيار عملات هذه الدول واحدة تلو الأخرى. كما اشتهر سوروس"73 عاماً"بلقب الرجل الذي حطم الجنيه الاسترليني عندما راهن عام 1992 على انسحاب الجنيه من منظمة النقد الأوروبية التي كانت سارية قبل تداول العملة الموحدة. هذا المضارب اليهودي سيئ السمعة، يقدم نفسه للعالم الآن في نسخة جديدة تماماً، تحوله من شبح يثير الرعب في أسواق المال والأعمال إلى إنسان خير يكرس ما تبقى من عمره لخدمة ما يصفه هو"بالقيم الأميركية الحقيقية"التي تتجسد في الحرية والديموقراطية والمجتمعات المنفتحة. ومن أجل هذا الهدف انشأ سوروس شبكة من الصناديق المالية الخيرية في 24 بلداً في وسط وشرق أوروبا وآسيا وأفريقيا والولاياتالمتحدة، وخصص لها 500 مليون دولار سنوياً من حر ماله. ومع افتراض حسن النية في ما يقوم به الرجل، خصوصاً مع تقدمه في العمر، إلا أن هذا التحول الغريب في مسيرته يفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة لا تنتهي وتكهنات أكثر، خصوصاً إذا عرفنا أنه يهودي حتى النخاع، عايش بنفسه - بحسب قوله - أحداث"الهولوكوست"ضد اليهود في المجر موطنه الأصلي، قبل أن يهاجر إلى بريطانيا عام 1947 ومنها إلى أميركا عام 1956، ليصبح من أشهر وأخطر رجال المال والأعمال في العالم. ومهما كان الهدف الحقيقي لسوروس وصناديقه في أنحاء العالم، فإن الجديد هنا أن يكرس سوروس نفسه وثروته ضد الرئيس بوش من أجل إسقاطه في انتخابات الرئاسة المقبلة، ويعتبر ذلك"مسألة حياة أو موت"! أما أخطر ما أشار إليه سوروس في كتابه الجديد، فهو ذلك التحالف بين الأصولية الدينية، متمثلة في جماعات اليمين المسيحي، والأصولية الرأسمالية متمثلة في أباطرة شركات النفط والصناعات العسكرية، والإصرار على تقديم النموذج الأميركي باعتباره المجتمع المثالي من دون غيره، ويقول سوروس:"إن السير في هذا الطريق يعني بداية النهاية"لفقاعة التفوق الأميركي"التي سيكون مآلها حتماً إلى الانفجار". هكذا التحذير الذي يطلقه سوروس يعتمد على تحليل جيد لدروس التاريخ، وهو ما أشار إليه فلاسفة وكتّاب كبار، مثل الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل، الذي حذر من أن تآكل المدنيات وسقوطها يأتي دوماً من جراء تفسخ المبادئ الأصلية التي قامت عليها، وما أشار إليه أيضاً عالم الاقتصاد كارل بوبر في كتابه"المجتمع المنفتح وأعداؤه"من وجود قاسم مشترك بين الأيديولوجيات الشمولية التي كان مصيرها الانهيار، مثل الشيوعية والنازية وهو الزعم باحتكار الحقيقة المطلقة وتقديم نفسها باعتبارها المجتمع المثالي الوحيد بين أمم غارقة في بحر الضلال. وإذا كان هذا هو المنطق نفسه الذي يحكم رؤية المحافظين الجدد لأميركا والعالم، فهل يكرر التاريخ نفسه وتنفجر"فقاعة التفوق الأميركي"طبقاً لنظرية هيجل ونبوءة بوبر؟ أم ينجح المدافعون عن القيم الأميركية الحقيقية، متمثلة في الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان في تصحيح المسار؟ وهو ما يراه سوروس أمراً في مصلحة أميركا ذاتها قبل أن يكون في مصلحة العالم!