مع انتشار التلفزيون في النصف الثاني من القرن العشرين طرأت تغيرات كبيرة على أساليب الاتصال بالجمهور، إذ لم يعد الخطاب موجهاً إلى جمهور حاضر في قاعة أو مكان عام، بل إلى مشاهد يجلس في منزله ويتلقى الرسالة عبر الشاشة. وفرض التلفزيون على كل متحدث يسعى لإقناع الجمهور شروطاً وخصائصاً جديدة من حيث قصر الزمن، وأهمية الصورة، وأسلوب الإلقاء، وغير ذلك. في هذا السياق، ظهرت دراسات متعددة حاولت فهم طبيعة هذا النمط الجديد من الاتصال، نذكر من أبرزها مفهوم (البلاغة الإلكترونية) الذي صاغته الباحثة الأميركية كاثلين هول جيميسون لوصف الكيفية التي أعاد بها التلفزيون تشكيل منطق الإقناع والخطاب العام. الفكرة الأساسية لهذا المفهوم أن التلفزيون ليس مجرد وسيط ينقل الخطاب العام، بل هو أداة أعادت تشكيله من الداخل. فما كان أسلوباً ناجحاً في الميدان ليس بالضرورة الأسلوب الناجح من خلال الشاشة، الصورة، وحركة الكاميرا، والزمن المحدود، والمنافسة الحادة على انتباه المشاهد فرضت شروطاً جديدة على الخطاب، وغيرت معايير الإقناع نفسها. في التلفزيون، كل حركة، وكل تغيّر في نبرة الصوت، وكل تعبير في الوجه يصبح جزءاً من الرسالة، فلم يعد المنطق وحده كافياً، بل صار الأداء ذاته أسلوب إقناع. فالمتحدث قد يفشل في إقناع الجمهور ليس لأن أفكاره ضعيفة، بل لأنه يبدو متكلفاً، أو بارداً، أو غير مرتاح أمام الكاميرا. وعلى العكس، قد ينجح خطاب محدود العمق لأن صاحبه يبدو قريباً ومألوفاً وقادراً على مخاطبة المشاهد كفرد لا ككتلة جماهيرية. وقد حددت الباحثة خمس خصائص لمفهوم البلاغة الإلكترونية الناجحة في عصر التلفزيون، السمة الأولى هي (الطابع الشخصي)، فالقضايا العامة لم تعد تعرض بوصفها أفكاراً مجردة، بل عبر أشخاص وقصص وتجارب فردية، فالبطالة مثلاً تصبح قصة شاب يبحث عن وظيفة، والرعاية الصحية تتحول إلى حكاية مريض يعاني من الألم، ذلك لأن التلفزيون قائم على القصص والصور، فهو يختصر القضايا ويخلق ارتباطاً عاطفياً سريعاً مع المشاهد. السمة الثانية هي (الإفصاح الذاتي)، ففي الخطاب التلفزيوني، أصبح المتحدث مطالباً بالكشف عن ذاته من خلال ذكر تجربة شخصية، أو اعتراف بخطأ، أو لحظة ضعف إنسانية، هذا الإفصاح يبني الثقة مع المشاهدين، ويجعل المتحدث يبدو إنساناً عادياً وقريباً من الناس. أما السمة الثالثة فهي (الأسلوب الحواري)، فمن شروط البلاغة التلفزيونية الابتعاد عن الجمل الطويلة والإنشاء المعقد، والاعتماد بدلاً من ذلك على لغة أقرب إلى الحديث اليومي. وفي التلفزيون، المتحدث لا يلقي خطاباً، بل يتحدث كأنه يجري حواراً مباشراً مع المشاهد، الجمل تكون قصيرة، والنبرة هادئة، والرسالة تقدم بشكل مبسط لا على شكل درس أو محاضرة. وتفرض طبيعة التلفزيون سمة رابعة هي (الاختصار)، فالزمن القصير يجعل الفكرة الكبيرة مضغوطة في عبارة واحدة قابلة للتداول، والجملة التي تتصدر العناوين، أو اللقطة التي يعاد بثها، تصبح أحياناً أهم من الخطاب كله، هذا يعزز الوضوح ويساعد على إيصال الفكرة. السمة الخامسة والأخيرة هي (الدراما البصرية)، في البلاغة الإلكترونية، تكون الصورة عاملاً أساسياً في جذب الجمهور وتأكيد الأفكار، فزاوية الكاميرا، وترتيب المكان، وحركة الجسد، وحتى الصمت، كلها عناصر إقناعية، فالكلمات تعمل جنباً إلى جنب مع الصورة لصناعة الأثر. ختاماً، في وقتنا الحاضر، البلاغة الإلكترونية لا تخص التلفزيون وحده، بل تمتد إلى كل فضاءات الإعلام المرئي والرقمي. وهي تذكرنا بأن الإقناع في عصر الشاشة لم يعد مسألة صوت منطقي فقط، بل أصبح مزيجاً من الصوت والصورة والمؤثرات الحسية والعاطفية.