النقد الثقافي يعتمد على أن النصوص ليست مجرد كيانات فنية، بل هي «وقائع ثقافية» تحمل بصمات المجتمع الذي عبرت عنه، ويعد النقد الثقافي من أهم المفاهيم النقدية التي ظهرت في مرحلة ما بعد الحداثة، ويرى البعض أن هذا النوع من النقد هو رد على علم السيمياء ونظرية الجمال التي تعنى بالجانب الشكلي والفني والجمالي للأدب، ولا تهتم بالجانب الثقافي الذي خرج هذا النص من بيئته ليعبر عنه. ويعده بعض النقاد أكثر حرية ورحابة من غيره فيما يتناوله من آراء وأفكار حين يتعامل مع النص الأدبي بالدراسة، وهو يعنى في تناوله للأعمال بالأصالة والتراث وبالكاتب ومقاصده، كما يعنى بالقارئ وإنتاجه للمعنى المراد والسياقات؛ لذا فهو نقد أيديولوجيا اجتماعياً عقائدياً وفكرياً أيضا، يقول الباحث والمفكر البريطاني كيه إم نيوتن في كتابه التاريخ الأدبي ومناهجه: «إن العمل الأدبي جزء مباشر من المحيط الأدبي، وإذا كان النقد الأدبي يبحث عن استكشاف الجمال في النص المدروس فالنقد الثقافي يبحث عن المخبوء خلف هذا الجمال». يرى عبدالله الغذامي واصطيف -في مقالهما «نقد ثقافي أم نقد أدبي»- أن الدراسات النقدية استنفدت جميع طاقاتها في دراسة جوانب البلاغة والجمال، مما جعلها قاصرة أمام الحشود الثقافية والمعرفية والتغيرات الثقافية، لذا صرنا بحاجة للانفتاح على مفهوم جديد متمثل بالنقد الثقافي. وحين نتناول رواية (قلوب قاتلة) للكاتب السعودي أ/ حامد الشريف، التي صدرت عام 2025، في 346 صفحة من القطع المتوسط، وقد اشتملت على عشرين فصلاً، نجد أنه من المهم أن نتناولها من بوابة النقد الثقافي «فهذا العمل الكبير الذي يبحر في مجتمع له خصوصية واضحة وله ثقافته وتراثه وطقوسه وطبيعة علاقات الناس ببعضها، فمن المناسب أن ندلف لهذا العالم لفهم طبيعته وإرثه الثقافي». ندخل إليه ونحن نتمثل هذه الكلمات «وما حياتنا إلا كبحر ساكن حيناً، وثائر أحياناً، وبين هذا وذاك نحن في معترك مع ذاتنا والحياة»، فالرواية تأخذنا لمجتمع صغير هادئ، لكن خلف هذا الهدوء خفايا وحكايات صاخبة لا تتكشف لك إلا عندما توغل في الإبحار داخل هذا المجتمع الذي ظاهره السكون لكنه ينطوي على موجات هادرة من الصراعات والمشاعر الموارة اجتهد أصحابها في كتمانها وإخفائها؛ لكن حامد الشريف اختار الضابط أسعد الذي حركه الشغف لمعرفة مصير صالح محمد سعيد الشرومة. وقد جعله يسعى سعياً حثيثاً لتعرية هذه المشاعر وفك شفرات تلك الشخصيات القابعة في البيوت وفي المجالس وعلى شاطئ البحر لا يعلم عنها أحد شيئًا. من أول صفحة في الرواية نعرف الاسم الرباعي للغائب، ونطلع على ثرثرة ثلاث نساء اجتمعن للوك أخبار صالح الذي اختلفوا في سبب اختفائه، هل هو مخفي في سرداب تحت الأرض أعده له والده ليسجنه بقية حياته؟ أم هرب من ينبع ليتقي المصير الذي ينتظره؟ النسوة هن: (أم إسماعيل) الداية، و(أم شلبي) زوجة العمدة، و(فَتُّو) الخياطة، وعرفنا منها أن ابنتها اسمها (بهية)، من هنا بدأنا نتعرف على طبيعة هذا المجتمع، النساء فيه كعادة النساء في الثرثرة وحبهن للحديث عن الأحداث التي تخص بيئتهن، وأيضا عرفنا وظيفة كل منهن، الداية وزوجة مسؤول القرية وعمدتها والخياطة التي تحيك ملابس نساء القرية، وظيفتان لهما علاقة بالنساء، ثم في الصفحة التي تليها بدأ الحديث عن اشتباه في قتله. لكن الراوي يذكر أنه: «ذكر البعض أنه خطف وقتل، وهو القول الذي شاع أكثر من غيره» إذًا، فلم يحسم الأمر في نوع نهاية صالح هل هو قتل أم موت طبيعي أم اختفاء، وهكذا أخذنا الكاتب في متاهة البحث عن حقيقة اختفاء صالح، ثم توالت الظنون حول نهاية أخته «صباح» وبعد ذلك أخيه فرهود. إذاً، لم يقطع بقتله، نفهم الآن أنه مجتمع يعج بالأقاويل والشائعات. ثم بعد ذلك عرفنا أنه عثر عليه ميتاً في الصحراء «في منطقة رملية مهلكة، وكل السبل تقطعت به في هذا المكان، ولم يجد من يأخذ بيده فلفظ أنفاسه، ولم يكن ثمة ما يشير إلى أي حدث جنائي»، هذه الأقاويل هي التي حركت الضابط أسعد دون تكليف رسمي من عمله للاستقصاء عن نهاية صالح، هل كان قتلاً أم الموت جوعاً وعطشاً؟ دعم هذه الأقاويل لديه صوت فرهود أخو صالح المختل عقلياً وهو يجوب المدينة صارخاً: « قتلوك يا صالح، قتلوك يا صالح»، علامات استفهام كثيرة وضعها أمامنا الضابط أسعد وعلينا أن نرى كيف ستجيب الأحداث عن هذه التساؤلات. هذا الحدث هو الحدث الذي اتكأ عليه حامد الشريف ليحدثنا من خلاله عن هذه المدينة الغافية على شاطئ البحر، مدينة تختلف طبيعتها عن بقية مدن المملكة؛ حيث إن طبيعتها ليست صحراوية بل بحرية يعمل أهلها بالصيد وركوب البحر، طعامهم معظمه من الأسماك، أكلاتهم الشعبية كالمعدوس الذي يتناولونه مع السمك المقلي، والسجاف. المكان في هذه الرواية بطل لا شك، فينبع هي المكان الذي اتخذه الكاتب حامد الشريف موقعاً لأحداث الرواية. وهي أيضاً مدينته التي تعد ثاني أكبر مدينة تقع على البحر الأحمر في المملكة بعد مدينة جدة، ولما بحثت عن تلك المدينة وجدت أنها تنقسم لثلاث مدن، يعنينا هنا ينبع البحر وتمثل الجزء التاريخي من المدينة، يعود تاريخها إلى 2500 عام، سكنها الضابط البريطاني توماس إدوارد الملقب ب «لورانس العرب»، ويعد مسكنه الآن متحفًا تاريخيًا ضمن المدينة القديمة، حي الصور القديم، الذي تعكس مبانيه بيئة ينبع الساحلية، وهو مركز تجاري تاريخي مهم فيها، ويضم مساكن تاريخية لتجار ينبع القدماء، وقد ذكره كاتبنا هنا في مواضعَ كثيرة، ففي (ص 103) «وهو يسير شارد الذهن في أحد أزقة حارة الصور في طريقه إلى قهوة الفارح، أخذ يقلب الموقف في رأسه ويحاول ربطه بما حدث لشرومة». تجول بنا حامد الشريف في أحياء تلك المدينة، فعرفنا كيف يجلس الناس على المقاهي ومشروب الشاي المفضل لديهم، وكيف كانوا يبيعون ويشترون، عن خليل بائع الأقمشة الذي كان يمر ببضاعته على البيوت ويأخذ أي من رجال البيت الأقمشة ليريها لنساء البيت لتختار منها ما تريد، حدثنا عن لعبة العجلة وجلسات مساجلة الشعر النبطي والاحتفالات بالزواج والميلاد. ففي (ص289)، تذكر الضابط أسعد أحياء ينبع ذكر: «إذ كانت الحارة وأهلها والبحر وسوق الليل والصندل وقهوة شكوكو وقهوة الفارح والموقفة وكل الأماكن التي يعيشون قريبا منها والفنون الشعبية التي يتقنونها تشعرك بالجمال وتجلب لك السعادة لولا أنهم أفسدوها بصراعاتهم التي لا تنتهي». انظر معي ذكره لأسماء الحارات، وكيف كانت الحياة هادئة وادعة، لكن بالحياة ألم كبير، ولكن الحياة نفسها أكبر من كل ما فيها من الألم والسرور، فلا تتوقف الحياة ولا ناسها أمام آلامنا وأوجاعنا، وهذه هي فلسفة الرواية ورسالتها، هذا ما أراد أن يقوله لنا حامد الشريف. من الأنساق الاجتماعية التي تميز بها هذا المجتمع نظام العمودية، وهو نسق اجتماعي يمثل منصباً رسمياً في تلك المدينة، ومجلسه الذي يسمى (المركاز) حيث يجتمع فيه رجال المدينة، لمناقشة الأمور التي تخصهم لكن العمدة (أبو شلبي) لم يكن على قدر المكان الذي تبوأه. وصف لنا حامد الشريف شخصية العمدة (أبو شلبي) على لسان الضابط أسعد فقال في (ص66): «رغم بلوغه الستين من العمر إلا أنه لا يزال يتشبث بالحياة ويعيشها كشاب، وكان صاحب طرفة، سليط اللسان، لا تنطفئ نار الشيشة في مجلسه، وكان كثير السعال، لا عمل له غير دمغ الأوراق التي تأتيه»، وفي موضع آخر يقول: «كانت شخصيته من أعقد الشخصيات، لا تشعر أبداً أنه مسؤول ويمكن الاعتماد عليه». هذا نموذج للمسؤول خفيف الوزن، لا يرى في وظيفته إلا أنها جلسات للاستمتاع بالشيشة وسرد الفكاهات وتوجيه الكلمات القاسية للجالسين معه، أجاد تصويره وبناء شخصيته حامد الشريف. كما وصف لنا الكاتب عمارة البيوت في هذه المدينة ونوافذها المعشقة كالأرابيسك والتي يطلقون عليها (الروشان) وصف بدقة مجلس العمدة فقال يتحدث عن الضابط أسعد «فأمعن النظر في السجادة القديمة المفروشة على أرض المركاز وقد نسجت من صوف الغنم وقد امتلأت بزخرفاتها وألوانها البديعة، ولم يكن أثاث المكان بتلك الفخامة، إذ أحاطت بتلك السجادة مساند محشوة بالطرف، علقت بقماش جميل من القطيفة البيضاء، تصدرته رسمة حمامة حمراء، طويلة جميلة أحاطت بها نقوش زخرفية متقنة، ورصت تلكم المساند على طول الجدار وداخل الروشان المرتفع قليلا ....» (ص22-23). رأينا بعين الضابط أسعد نسقاً لطراز بيوت الأعيان والعمد في تلك المدينة في هذا الزمن غير المحدد من قبل الكاتب، حجرات واسعة فرشت بالسجاد الذي أخذ صوفه من الغنم تلك الثروة الحيوانية التي تتميز بها المنطقة مساند محشوة وجلسات على الأرض وستائر موشَّاة بصور الطيور الجميلة التي تهاجر في المواسم وتحط في المدن البحرية، ونوافذ عتيقة ساترة لمن بداخل هذه البيوت، هذه هي طبيعة المجتمع المحافظ الذي يعتمد طراز البيوت ذات الأسوار والنوافذ المعشقة الساترة. نعرف من خلال الرواية أن من سكانها تجاراً مثل: العم فلاح والتاجر أبو صويلح، ذلك العم الذي كان يتاجر في السمن والعسل والكماليات، وخليل تاجر الأقمشة، وتعاملات الناس مع التجار التي تظهر بساطتهم وطيبتهم. كما يطلعنا حامد الشريف في هذه الرواية على هذه البيئة الينبعاوية وطبيعة سكانها وعلاقتهم ببعضهم، ووضع المرأة فيها، وطربهم المميز ومواويلهم التي تشعرني أنه موال مصري، فلما بحثت عن الطرب الينبعاوي وأصله وماهيته، وجدت أنّ هذا اللون الغنائي، فن جاء نتيجة عن امتزاج الإيقاعات الخليجية بالأغاني المصرية والشامية عن طريق رحلات البحر الأحمر، المعتمد على آلة السمسية -مع الطرب في مدينة العقبة الأردنية، وفي مجموعة من المدن المصرية، منها: العريش، والإسماعلية، وبورسعيد. نتأمل هذا الموال الذي غناه فرهود وكان يشير بيده إلى صدره مقلدًا كأنه يعزف على آلة السمسمية رغم جنونه هكذا قال الراوي، كما كان يحفظ المواويل ويغنيها في الطرقات، (من ص 24): «الكل ماشي بناره وأنا اللي ناري بحال طبيب الأجراح ما عندك دوا ينطال لشاب شملول عامل كفوفه للدموع عن طال فقال الطبيب اصبر يا فتى الصبر للأبطال دواك من تحبو إن قصر الزمان أو طال» كما نرى فهذا موال مصري وباللهجة المصرية يردده فتى في مدينة ينبع مما يجعلنا نتيقن من امتزاج الثقافات العربية في مواضع كثيرة من تفاصيل الحياة في بلادنا العربية. فعن طريق التجارة وهجرات الناس من بلادهم وإقامتهم في أماكن أخرى أخذوا معهم ثقافتهم وغناءَهم وآلاتهم الموسيقية وطقوسهم أيضا، فما يجمعنا أكثر كثيرا مما يفرقنا. تعد هذا الرواية أيضاً من أدب البحر، أدب البحر يعني ذلك الأدب الذي يستهدف التعبير عن عالم البحر؛ فالبحر هو موضوعه الرئيس، البحر هو مؤثر في الأحداث والشخصيات، وفي الرؤية الكلية للعمل الأدبي، يتشكل بخصوصية المنطقة، أو منطقة الأحداث التي شهدها ساحل بعينه، وفي رواية «قلوب قاتلة» نجد البحر حاضراً بقوة فعلاقة الناس بالبحر علاقة أرزاق ومعايش، وعلاقة استرخاء أما مهابته وجماله، فنجد هذه الاقتباسات النموذج لما نقول: «ينزع ملابسه ويسبح في البحر بالسروال السنة» (31) «ولم يعد يسمع غير أصوات الأسماك التي تتقافز بين الفينة والفينة في سعادة غامرة» (89) تحول الضابط أسعد نحو البحر فشاهد أحد الصيادين يقف بقاربه الخشبي في منتصف الماء بين الشاطئ وجزيرة العباسي، غير بعيد عن مرفأ البنط» وفي موضع آخر من (ص 109) يصف له صويلح كيف يطهي السردين المقلي «لا يحتاج الأمر غير تسخين الزيت ورش الملح فوق حبات السردين وإلقائها بعد ذلك في المقلاة، وسيمكنك تناوله بعد ذلك بدون الأرز». (ص 115) يتحدث الضابط أسعد عن سطام «كان يتخذ من إحدى الصخور الملقاة على الشاطئ مقعداً له يجلس عليها متلهياً ببعض الحصوات يلقي بها في البحر». في (ص 283) « كان البحر عند قدومه في قمة هدوئه، وبدت طيور النورس فرحة مغتبطة بهذا الهدوء والجمال»، تماهي الناس في ينبع مع البحر؛ حتى صار هو المكون الأهم في شخصياتهم وحياتهم. في (ص 137) يذكر حديث رسول الله (ص): «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه» من الأنساق الاجتماعية التي رصدها لنا حامد الشريف: بداية تقنين الدولة للعمل والتجارة في البحر. وهنا في مدينة ينبع بدأ أثر هذا التقنين في هذا الحوار الذي دار بين العمدة وأبو خديجة كما جاء في (ص 253): «ودار الحديث يومها عن رحلات البحر الطويلة وانحسارها مؤخرا بسبب اتجاه كثير من البحارة إلى الوظائف الحكومية، وكان للعم فلاح رأي مختلف،إذ رأى أن الرسوم الجمركية كرَّهت «النواخذة» في تجارة البحر، ولم يعد «التقليب» مجديا في ظل الرقابة الشديدة التي يقوم بها حرس الحدود ويمنعون بذلك «القطاير» و»السنابيك» من إدخال أي بضاعة إلا تحت نظرهم وبعد دفع الجمرك المقرر». إذًا، فقد بدأ العمل ينحسر في البحر، فقد فرضت الجمارك وشددت الرقابة، فلم يعد العمل في البحر سهلاً كما كان، أصبح له التزامات تدفع ورقابة تدقق، فكانت الوظائف الحكومية هي الملاذ، وهكذا تتغير طبيعة المجتمعات بالتدريج. جاءت المرأة في رواية «قلوب قاتلة» فاعلة في الأحداث لكن من خلف الستار وبضوابط ورقابة يصعب اختراقها، نقف على طبيعة حضورها في مجتمع ينبع، فنجد تدليلاً على ذلك في (ص 41)، استبعاد ما قاله فرج أيضاً عن الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه النساء في حادثة كهذه، حينها بدأ يهرش جبهته وقد شعر بأن باب النساء شبه مغلق ومن الصعب بل من المستحيل فتحه، فهن مغيبات عن المجتمع، ولا يمكن التواصل المباشر معهن، وقد لا يستطيع التحقيق معهن إلا بأدلة وبراهين دامغة تثبت تورطهن في هذه المصيبة». هكذا كان وضع النساء في هذه المدينة، وفي (ص 53) يقول الضابط أسعد: «لم يسمع خلال إقامته بينهم عن أي علاقة بين شاب وفتاة خارج إطار الزواج، فالفتيات لا يُعرفن إلا بعد خطبتهم واستكمال مراسم الزواج، حتى أسماؤهن لا تكاد تعرف، فيقال إن ابنة الشيخ الفلاني قد عقد قرانها على الشاب الفلاني»، فكان حتى ذكر اسمها في دعوى زفافها يعد من العورات. في (ص 189) «رغم أنه تبين جمال جسمها الممشوق وطولها المتناسق، وخيل إليه أنها فاتنة، لكنه لم يسرف في هذه الخيالات، وحتى لا يكثر من جلوسه معها اندفع مباشرة في سؤالها»، فالجلوس الطويل مع المرأة فاتح لشرور كثيرة تحسب لها الضابط أسعد. في (ص107) يتمنى الضابط أسعد «لطالما تمنى متفكهاً زيارة بهية غير المتوقعة، ولكن أنى لهذه الأحداث المفاجئة أن تتكرر» هذه من الصعوبات التي لا تحدث. (ص208) «حاول وقتها رسم صورة متخيلة لوجهها حتى يتبين ملامحها؛ وظهر أنه ابتعد كثيراً في هذه الخيالات حتى ظنها حورية من حوريات الجنات»، لم يكن هناك سبيل لمعرفة ملامح أي امرأة غير محارمه إلا التخيل وقد يجمح به الخيال فتتراءى له حورية من الجنة، وقد تكون الحقيقة على خلاف ذلك، فصل تام واحتجاب كامل. ولنتأمل حين التقت المرأة بالرجل كيف كان حضورها في (ص239) «وعاد مرة أخرى لسؤالها عن فوزية ورأيها فيها بالتفصيل، قالت له مباشرة وهي تنظر إليه وقربت رأسها من حجرها «فوزية امرأة قوية تتحكم في مشاعرها ولكنها عنيفة في تعاطيها مع هذه المشاعر، وأضافت أظنها لا تعود بسهولة عن قناعاتها»، نرى المرأة هنا لا تطيل النظر للرجل فهي ثقافة مجتمع، لكننا نتعرف من العبارات أنها امرأة قوية الشخصية تعتنق الرأي ولا تتزحزح عنه. فنجد مريم زوجة الأب لصالح، وصباح تتحدث مع الضابط أسعد بحكمة وبلاغة لا تتناسب مع امرأة لم تحصل إلا على الشهادة الابتدائية فتقول في (ص211) «وهل الاحتكام للعواطف والانسلاخ من محيطك البشري والارتهان لرغباتك إلا فقدان للعقل وقمة الجنون»، أرى أن هذه الكلمات تمثل لغة عالية عن تلك الشخصية. زواج المرأة من غير موطنها، كما سرد لنا هنا حامد الشريف ممثلا في زواج فوزية السعودية من خليل اليماني، فنجد في (ص220) «يا عمي شوف صاحبك خليل واللي صار معه بعد الزواج»، صدق أنه سعودي ونسي أنه يمني بعد زواجه من (السعودية)، سأله كيف نسي أنه يماني «يا عمي متكبر علينا أنا وعلي لأنه متزوج سعودية، وما يتنازل يجلس معنا في العزبة ولا حتى يهزر معنا». هذا نسق ثقافي متجذر في الوعي الجمعي للناس في هذا المكان وغيره من بقية البدان في ذلك القطر. نسق اجتماعي آخر تزخر به البيئة الينبعاوية وهو الاحتفال بلعبة العجل، حيث يجتمع جميع أبناء الحارة في البرحة القريبة من منزل صالح الشرومة، كانت الأصوات صاخبة بفعل أصوات «المرواس والنقرزان» وهي آلات موسيقية تصاحب الطرب الينبعاوي، تنثر العملات المعدنية فوق رؤوس المحتفلين من فتحات الرواشين وشبابيك العتبات وأسطح المنازل القريبة ليتلقاها في الغالب الأطفال، هذه ثقافة وهذه بيئة تنتج ثقافتها وتجعل لها مفردات وتفاصيل. المساجلة الشعرية ص149- 150 «وقد أتاهم، وجدهم يتجمعون في الموقفة قبالة مركاز العمدة، عند الأطراف الخارجية للحارة، وهي المنطقة الواسعة التي تفصلهم عن أحياء الصور والخريق والقاد، كانت المنازلة حينها بين حلة الصعايدة وحلة القاد، ... في وقت انقسم الشعراء إلى فريقين وجلسوا على مسافات متباعدة بحيث تفصل بينهم ساحة الرقص التي امتلأت بالراقصين وأحاط بهم صفان من البحرية الذين يرددون الكسرات المرتجلة». الشعر النبطي ومساجلاته التي ما زالت إلى الآن توثق لثقافة هذا المجتمع شديد الخصوصية. التناص «وبدا له أنه يطارد خيط دخان» (ص40). فكل ما تناولناه من نسق ثقافي اجتماعي يمثل المزاج الثقافي العام، ويشمل العادات، والتقاليد، والحكايات، والأمثال، والرقص، والغناء، فيتجلّى في هذا المنجز ملامح الفكر والثقافة، التقارب بين مفردات تلك الثقافة. وهنا تتجلى رؤية الكاتب، فحين نطالع هذه السطور في الفصل الأخير من الرواية (ص236) حينما جلس الضابط أسعد في استرخاء وتذكر حديثه الأخير مع صويلح فقال: «حينما تهاوت قناعاته أمام سطوة الواقع فقال: الأغبياء والسذج لهم القدرة أيضا على تغيير بوصلة الحياة وليس الأذكياء وحدهم من يفعلون ذلك؛ وقد علم أيضا أن الفرق بين هؤلاء وأولئك يكمن في الإرادة فقط، فالأذكياء يغيرون الواقع بإرادتهم وبقراراتهم ويرسمون خيوط المستقبل ويشرفون على تنفيذها في وقت قد لا يعلم الأغبياء ما أحدثوه من فرق، رغم أنهم يصلون إلى النتائج نفسها وربما تفوقوا على الأذكياء بالإرادة الإلهية التي تسخرهم لأعمال معينة. رواية قلوب قاتلة رواية تناولت بعداً بوليسياً في بيئة بحرية في زمن لا نعلمه عمل الكاتب فيها على بناء الشخصيات بناء جيداً، نجح أن ينقلنا إلى عالمه السردي والروائي المتخيل، قد أطال التحليل والتفسير على الشخصيات والأحداث، لكننا عدنا بعد قراءة الرواية برؤية غير التي دخلنا بها بين دفتيها.