قرأت قصة صالح بوقري «سجادة فارسية» ضمن مجموعته القصصية «حفلة شواء» في سياق قصص بسيطة مباشرة، بساطة انتظاري موعد إقلاع رحلتي في المطار. بدت القصة في ظاهرها قصة يمكن وصفها بالبريئة والبسيطة والمباشرة؛ حيث تبدأ القصة باستحضار مقطع من قصيدة لنزار قباني شبّه فيها حديث حبيبته بسجادة فارسية. هذا التشبيه يعلق في ذهن العم صالح، فيدفعه إلى التأمل في معنى السجادة الفارسية وصناعتها. بدافع الفضول، ينطلق للتعرّف إلى عالم السجاد عن قرب، يطرح الأسئلة، ويتتبع التفاصيل الدقيقة للحرفة، حتى تتكوّن لديه معرفة تفصيلية تثير استغراب أهل الصنعة أنفسهم. وفي أثناء ذلك يقرر شراء سجادة حريرية ليهديها، يتجول في الأسواق ليبحث عنها ثم يكتشف عن طريق صديق يدرس الفن التشكيلي مكانا مناسبا لشرائها، لتنتهي القصة بلحظة اتفاق عندما وعد شيراز صاحب محل السجاد العم صالح بأن يبيع له السجادة بسعر معين لتنتهي التجربة. غير أن الاستهلال بقصيدة نزار قباني جعلني أتوقف طويلًا. منذ السطر الأول شعرت أن النص لا يتحرك على سطح الحكاية، بل داخل نسيج أعمق. ورغم أن نزار أعلن خوفه من التورط، فإن صالح تورط... وورّطنا معه. شاعر يرى السجادة استعارة للجمال ويخشى أن يذوب في خيوطها، وقاصّ يأخذ الاستعارة مأخذ الجد حتى يدخل في صناعة السجاد ذاتها. هناك من يتأمل النسيج ويصرّح بحذره، وهناك من يمدّ يده إلى الخيط ويبدأ في نسج القصص. يقول نزار: «حديثكِ سجادةٌ فارسيه.. وعيناك عصفورتان دمشقيتان.. تطيران بين الجدار وبين الجدار.. وقلبي يسافر مثل الحمامة فوق مياه يديك، ويأخذ قيلولةً تحت ظل السوار.. وإني أحبك.. لكن أخاف التورط فيك، أخاف التوحد فيك، أخاف التقمص فيك» في هذا المقطع تتجلى ورطة نزار المكانية. العصفورتان تطيران بين جدارين؛ الحركة محصورة بإطار. القلب يسافر، لكنه يسافر فوق مياه يديها، ويستريح تحت ظل سوارها. الفضاء العاطفي يتحول إلى مكان محدد، إلى غرفة من نسيج. السجادة ليست مجرد تشبيه جمالي، بل مساحة يُخشى الدخول إليها. الخوف من التورط والتوحد والتقمص هو خوف من الإقامة داخل هذا المكان، من أن تتحول الذات إلى خيط في زخرفته. ورطة نزار مكانية وعاطفية في آن. الجداران يحددان المسار، والسجادة تفرش الأرض، والظل يرسم حدود الاستراحة. الحب يغدو فضاءً يحيط بالشاعر من كل جانب. إعلانه للخوف يكشف وعيًا بجاذبية النسيج، إدراكًا بأن الدخول إلى هذا المكان يعني إعادة تشكيل الذات. في قصة صالح، التشبيه نفسه يصبح حركة فعلية في المكان. هو يصرّح بأن القصيدة والتشبيه كانا سببًا في تورطه بفهم صناعة السجاد. الاستعارة تدفعه إلى الأسواق، إلى التنقل بين المحلات، إلى الوقوف أمام القطع المختلفة، إلى الإصغاء إلى تفاصيل العقد والكثافة والخامة. تورطه مكاني بامتياز؛ الجسد يتحرك بين الأزقة، والعين تفحص، والعقل يربط بين المدارس والأنماط. نزار خشي الورطة المكانية داخل نسيج العاطفة، وصالح دخل الورطة المكانية بين الأسواق. الشاعر وقف عند حدود الجدارين، والقاص تجاوز الحدود ليتتبع الخيوط حتى دهش الصنّاع من دقة معرفته. السجادة عند نزار صورة تُرى من مسافة واعية، وعند صالح واقع يُلمس ويُحلل ويُقتنى. يحضر في القصة وسيطان يثبّتان هذا المسار الرمزي. الصديق الذي يدرس الفن التشكيلي يضيف عينًا ترى السجادة بوصفها لوحة؛ توزيع ألوان، انسجام مركز، توازن إطار. عبره تتحول الأسواق إلى معرض، ويصبح الفحص قراءة تشكيلية للنقوش. الفن التشكيلي يمنح السجادة بعدًا بصريًا، ويضعها في فضاء الجمال المنظم، كما وضعها نزار في فضاء البلاغة. أما شيراز، صاحب السجادة، فاختيار اسمه لا أراه اختيارًا بريئًا أو مجرد واقعة عابرة. شيراز تقع في قلب محافظة فارس، في الجغرافيا التي اشتق منها وصف «الفارسية». الاسم يعيد السجادة إلى منبعها التاريخي والثقافي، إلى الأرض التي نُسجت فيها أولى الحكايات عن العقد والحرير. حين تبدأ القصة بالحديث عن سجادة فارسية، فإنها رمزيًا تعود إلى فارس، وحين تنتهي عند اتفاق مع شيراز، فإنها تغلق الدائرة في قلب تلك الجغرافيا. شيراز ليس مجرد بائع؛ هي تمثيل للمركز، للمصدر، لذاكرة الحرفة. الاسم يحمل في طياته إرث الشعر الفارسي والحدائق والرموز الصوفية، ويضع السوق المحلي في امتداد حضاري أوسع. كأن السجادة التي تُعرض في محل معاصر تحمل معها تاريخًا طويلاً من الأنوال الممتدة في فارس. اختيار الاسم يربط البداية بالنهاية، ويجعل من القصة رحلة رمزية من استعارة نزار إلى قلب الجغرافيا التي أنجبت السجادة. في «سجادة فارسية» تتقاطع ثلاث ورطات: ورطة نزار بين الجدارين وتحت ظل السوار، ورطة صالح بين الأسواق والنقوش، وورطة وعد شيراز الذي أكمل حضور السجادة. هذا التقاطع ليس رمزيا فحسب، بل يشبه تقاطع حرير السجاد نفسه؛ خيوط طولية مشدودة، وأخرى عرضية تعبرها، وكل نقطة التقاء بينهما اشتباك. ورطة نزار خيط مشدود في جهة العاطفة، ورطة صالح خيط ممتد في جهة المعرفة، واسم شيراز يكمل اللوحة؛ به تتجلى فارسية الحديث عند نزار، وفارسية الوجه الذي صار سجادة في المخيلة، وفارسية الحكاية التي كتبها صالح تحت عنوان «سجادة فارسية». كأن الاسم يعيد الاستعارة إلى أصلها، ويربط بين المجاز والشخص والجغرافيا في خيط واحد ممتد. عند هذه النقطة لا يعود التشبيه معلقًا في فضاء الشعر، ولا تبقى القصة محصورة بين دفتي مجموعة قصصية. «سجادة فارسية» داخل «حفلة شواء» تنفتح كحوار عميق بين قصيدة أعلنت الخوف من الذوبان، وقصة اختارت الدخول في النسيج حتى نهايته. ما بين سجادة نزار وقصة صالح بوقري يمتد خيط واحد: تحوّل الجمال من صورة ذهنية إلى فضاء يُسكن، ومن تشبيه عابر إلى بنية جغرافية كاملة، حتى تنقلب القصة إلى نسيجٍ مكتمل، وتغدو دفّتاها حدّين لزخرفةٍ لا تُرى إلا حين تُبسط كاملة أمام النظر.