لكل زمان لغته وتراكيبه، ولعل مما تتميز به اللغة العربية من بين سائر اللغات في العالم انفتاحها على كل العصور، واتساقها مع كل الظروف والأمور، حيث يفهم متحدث العربية في عصرنا الراهن اللغة ذاتها التي قيلت في العصر الجاهلي، ودليل ذلك أنك –مثلاً- حين تسمع قول امرئ القيس متغزلاً: «أفاطمَ مهلاً بعض هذا التدلّلِ ..» تدركه، وتستوعبه، بل تتذوقه، وربما تطرب له، على خلاف ما قد يحدث في بعض اللغات الأخرى التي قد لا يفهم المعاصرون من امتداداتها القديمة شيئاً، بل يحوجهم الأمر إلى البحث في المعاجم، وتفسير بعض الألفاظ. ومن ينظر في اللغة الإنجليزية القديمة يلمس فيها شيئاً من الغموض، فقد يجد الإنجليزي المعاصر –مثلاً– صعوبة في تقبّل اللغة (الفيكتورية)، أي اللغة المنتمية إلى العصر الفيكتوري، مع أنه عصر قريب (1837 – 1901م)، كما يجد صعوبة في فهم الأدب (الفيكتوري)؛ لأنه يقوم على نظام لغوي يختلف عن الإنجليزية الحديثة، ومن هنا يجد المتحدثون المعاصرون بعض الإشكال في فهم بعض الفروق النطقية الدقيقة، كفهم بعض المفردات، واستيعاب بعض القواعد النحوية التي كانت شائعة في ذلك الوقت. هذا الأمر لا تكاد أن تجده في العربية، وهو سر يسير من أسرار إعجازها وإنجازها. إن للكلمة قوتها المستمدة من تحولاتها، وقد جاء في كتاب (الكلمات وتأثيرها على العقل) أن «اللغة هي أقوى أداة لدينا؛ لأننا بدونها سنجد أنفسنا نعيش في حالة من التشوش العاطفي. لقد أعطانا دماغنا الإمكانية للتواصل بطرق استثنائية، ويمكن للطريقة التي نختار بها كلماتنا أن تحسّن الوظيفة العصبية للدماغ، والواقع أنه يمكن لكلمة واحدة أن تؤثر على تعبير الجينات التي تنظّم الإجهاد الفيزيائي، والعاطفي»؛ ولهذا «يمكن للكلمات أن تشفي، أو تؤذي، ولا يتطلب الأمر منا سوى بضع ثوان لإثبات هذه الحقيقة العصبية»، فمثلاً كلمة (أحبك) تفعل من المشاعر العاطفية ما لا تفعله نقيضتها كلمة (أكرهك)، فالأولى تأثيرها إيجابي، والأخرى تأثيرها سلبي. على أن من تحولات الكلمة أن استعمال الناس للكلمة الواحدة مثلاً قد يتطوّر بتطور الحياة لديهم، ومن هنا اختلف منظور الناس للكلمات، وتطور استعمالهم لها بحسب تطورهم، فبعض الكلمات التي كانت مستعملة قديماً ربما نالها شيء من التغير فصارت لها استعمالات مختلفة، وربما مناقضة، أو في بعض الأحيان مضحكة، انظر مثلاً إلى كلمة (خسيس) التي تشير في الأصل اللغوي إلى القليل، يقال: «تفه الشيء، يتفه، تفها، فهو تافه، أي: قليل خسيس»، ولكن المعنى في عصرنا هذا يتوجه إلى الخساسة والدناءة، فإذا قلت مثلاً: هو خسيس، دلّ ذلك الأمر على أنه دنيء، وليس قليلاً. ومثل ذلك كلمة (شنب)، فإنها قديماً كانت علامة على جمال المرأة؛ ذلك أن الشنب لديهم: «ماء ورقة يجري على الثغر، قال الشاعر: لمياءُ في شفتيها حوّةٌ لَعَس ... وفي اللّثاتِ وفي أنيابِها شَنَبُ. ويقال: الشنب: رقّة الأنياب مع ماء وصفاء»، لكننا واجدون الكلمة في عصرنا هذا مختلفةً في استعمالها، حيث تحولات إلى استعمال آخر مغاير، إذ تطلق على شعر الشارب إذا كان كثيفاً؛ ولذلك جاء في المعجم الوسيط أن المحدثين «استعاروا الشنب للشارب، واستعملوه فيه، حتى تناسوا الأصل». وهنا نشير إلى أن اللفظة الواحدة قد يطرأ عليها من التحولات في الاستعمال اللغوي ما يجعلها تنعطف إلى معانٍ متشابهة معها، وربما انحرفت إلى معانٍ مغايرة، أو مضادة، وكل ذلك إنما يجوزه تطور الاستعمال، والسياق، وظروف العصر، والبيئة.