ظهرت في الأسابيع الماضية بعض المقالات لكتّاب سعوديين يدعون فيها إلى الاهتمام بقضايانا الوطنية، مقارنة بالاهتمام الأزلي بالقضايا القومية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وقد قوبلت تلك الآراء بهجمة شرسة من بعض القوى السياسية في الداخل والخارج، تتهم هذا النهج بالتفريط والخيانة، ولكن في رأيي يجب ان تظل قضيانا المحلية هي مركز اهتمامنا، فقد خسرت الشعوب العربية الكثير من الجهد والتضحيات باسم القضية الفلسطينية، التي جعلنا منها همنا الأول، وصرنا نصبح ونمسي نتابع تطورات هذه القضية، لقد تشتت أفكارنا وجهودنا وأهملنا بلادنا وقضايانا، وأصبحت الدول العربية تُصنف من الدول المتخلفة في جميع المجالات، تشهد على ذلك التقارير الصادرة من مراكز الأبحاث والدراسات الغربية والعربية التي تعطي أرقاماً مفزعة عن انتشار الأمراض والأمية والأزمات الاقتصادية والاجتماعية في الدول العربية. في السنوات الماضية قد تكون بعض الأنظمة العربية تاجرت وزايدت على القضية الفلسطينية وجعلتها هي قضيتها الأولى، فلا هي كانت صادقة في مساعدة الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال العنصري الإسرائيلي، ولا نحن تركنا الشعب الفلسطيني يقارع الاحتلال بقدراته وقواه الذاتية الحقيقية، إن خلافاتنا العربية ظاهرة في المشهد الفلسطيني، فباعتقادي انه لم يكن هناك نضال عربي حقيقي تجاه القضية الفلسطينية، سواء على المستوى الرسمي او الشعبي. إن القوى والأحزاب العربية لا تزال تعيش بعقلية الستينات من القرن الماضي، حيث خلقت شعارات اصبحت مقدسة لا يمكن مناقشتها والاختلاف حولها في كيفية التعاطي مع القضية الفلسطينية، فمن يهتم بمصالح وقضايا شعوبه في الأقطار العربية يتهم بالتقاعس والخيانة، إن القوى والأحزاب العربية جامدة في تنظيراتها، فهي قد أدمنت القضية الفلسطينية، وكأن هموم شعوبها وقضاياها تأتي في مراتب متأخرة في أولوياتها، ان قضايا المشاركة السياسية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية في الدول العربية يجب ان تكون هي قضية التيارات السياسية والنخب في العالم العربي، فمن خلال الحصول على حق المشاركة السياسية، وحفظ حقوق الإنسان في بلادنا، يمكن ان نقدم الكثير للشعب الفلسطيني، أما إذا كانت الشعوب العربية تعاني من الفقر والجهل والتغييب بجميع أشكاله، فلا يمكن ان تكون لدينا كشعوب، الإرادة الحقيقية لمساعدة الشعب الفلسطيني. إن هذه المرحلة، وفي ظل"العولمة"وأشكالها السياسية والاقتصادية والإعلامية، تُعطي الفرصة الحقيقية للتغيير الايجابي والحقيقي في الدول العربية، لذا يجب ان يكون التركيز على تصحيح الداخل العربي، مهما بدت القضايا في نظر البعض بسيطة، مقارنة بالقضية الفلسطينية. ان همومنا الداخلية هي التي يجب ان نعمل على إصلاحها، فالإنسان العربي والمسلم الذي يعيش في دولته بحرية وكرامة سيكون هو العون للمضطهدين العرب في فلسطين، خصوصاً إذا اتفقنا على ان الصراع مع قوى الشر والاغتصاب في منطقتنا هو صراع حضاري لن ينتهي بحسم عسكري وسياسي قريب، فالتقدم على صعيد الإنسان العربي وعلى مستوى الدول العربية في جميع المجالات الذي يحتاج إلى الوقت والتضحيات من الجميع في داخل كل دولة عربية هو من سيحتم الطريقة الواقعية للتعاطي مع القضايا العربية الاخرى، سواء في العراق او فلسطين او لبنان او غيرها من الدول. لقد ناضل الشعب الجنوب أفريقي ضد النظام العنصري هناك، معتمداً على قواه وقدراته الذاتية، فمن دفع وضحى في جنوب أفريقيا هو شعبها وقادته الوطنيون وليس الشعوب الأفريقية الاخرى، نعم كان هناك منظمات وحركات سياسية في جميع أنحاء العالم، خصوصاً في أوروبا الغربية وقفت سياسياً وأخلاقيا وإعلامياً مع نصرة وقضية الشعب في جنوب أفريقيا، أما شعوب أفريقيا فلم يكن لها الحسم في نصرة السود الرازحين تحت النظام العنصري في جنوب أفريقيا، لان تلك الشعوب الأفريقية تعاني من التخلف والتفكك وعدم الاستقرار السياسي في مجتمعاتها، كما هو حال الشعوب العربية، وفي هذه المرحلة تعيش أزمات صراعات مذهبية وإثنية خطيرة. يعتقد البعض ان تحرير فلسطين سيجلب الحرية إلى العالم العربي، وهذا باعتقادي حلم بعيد وقد يكون نوعاً من الهروب من الواقع المحلي والاستمرار بلعبة قديمة أكل الدهر عليها، ففي المملكة هناك قضايا وتحديات يجب ان نعمل على وضع حلول لها سواء على المستوى الرسمي او الشعبي او على مستوى النخب ومؤسسات المجتمع المدني التي لا زالت في بدايتها، فقضايا المرأة والتنمية السياسية والتعليم وحقوق الإنسان يجب ان تأتي في مقدمة أولوياتنا. [email protected]