كثيراً ما يتحدث الوعاظ والخطباء حول مقاصد الصيام، وأن فيه شعوراً بالفقراء والمعوزين المحتاجين، وأن جوع الصائم يحفزه على مشاركتهم همهم والعمل على قضاء حوائجهم، وهذا الشعور التكافلي قد نحسّ به من خلال استشعار حاجتهم وسماع شكواهم، وليس من خلال الشعور المباشر بجوعهم وتذوّق مرارة فقرهم، وهذا الفارق النفسي مهم في الدافعية للعمل للفقراء وسد جوعهم، صحيح أن الحاجة في بلادنا ليست كارثية، ولكنها ظاهرة غريبة ومقيتة، أن تظهر في مجتمع مسلم غني يمارس الصوم سنوياً! أما بالنسبة إلى العالم، فها نحن نتسامر بالأمس طرباً وأنساً وقد ودّع الحياة 100 ألف شخص، تضوروا جوعاً هذا اليوم ثم ماتوا لأنهم لم يجدوا لقمة واحدة تسد جوعهم وتطفئ عطشهم.. وخلال قراءتنا هذا المقال سيقضي سدس البشرية هذا المساء وهم جوعى، يصرخ أطفالهم ويحتضر كبارهم، وربما نودع منهم 100 ألف آخرين هم ضحايا الجوع في العالم يومياً، كما في تقرير الأممالمتحدة للحق في الغذاء. من يصدق أن تلك القرية الكونية الواحدة التي أصبحنا نتحسس بها طرف العالم وكأننا نعيش في كل ركن منه، تغفل عن هذه الكارثة الإنسانية الفاضحة لكل شعارات العدالة والمساواة والتكافل الاجتماعي؟! فالمحاولات الإغاثية التي يؤديها بعض أصحاب القلوب الحية لن تعفينا من مسؤولية موت أولئك الفقراء في كل لحظة.. لأن الذي يقدمه العالم اليوم للقضاء على المجاعات المهلكة ينفق أضعافه على التسلح المهلك للأنفس والمجتمعات، فهناك 870 بليون دولار هي حجم الإنفاق العالمي على شراء أسلحة الفتك والقتل والدمار الشامل، و400 بليون دولار هي حجم الإنفاق على المخدرات! و105 بلايين دولار هي حجم الإنفاق على الخمور في أوروبا وحدها! بينما لا يجد معظم فقراء العالم الذين يشكلون 80 في المئة من سكان الأرض دولاراً واحداً يسدون به الرمق، فراراً من الموت والهلاك. فمع صوم المسلمين شهر رمضان، الشهر الذي يشارك فيه الأغنياء جوع الفقراء ويحسون بألم فقد الغذاء، نتساءل: هل تتحرك فينا مشاعر المواساة نحوهم لتفقّدهم وتقديم العون اللازم لهم؟ إنها تربية عملية لفهم الآخرين وتعميق معاني الأخوة تجاه المحتاجين.. لكن هل نعي تلك الدروس الرمضانية والحِكم البالغة من هذا الصوم؟ أم أن العادة غلبت العبادة، والممارسة المادية طغت على المقاصد الروحية؟ كيف لو علمنا أن تشريع الصوم في رمضان جاء بعده تشريع الزكاة في هذا الشهر الكريم، كنوع آخر من المبادرة العملية الواجبة لإعطاء الفقراء من أموال الأغنياء حقاً ثابتاً لا يسقط عن الغني المقتدر أبداً، وهو ما جعل الصّديّق رضي الله عنه يشنّ أول حرب في التاريخ وفي جميع الحضارات من أجل حقوق الفقراء! وأتساءل أحياناً أمام هذه المعطيات عن السبب في كون معظم فقراء العالم من المسلمين، في حين أن هناك الكثير من المسلمين من كبار أغنياء العالم، واستثماراتهم في البنوك الخارجية تبلغ آلاف الملايين، فعلى سبيل المثال لا الحصر: تبلغ استثمارات السعوديين في الخارج وفي أكثر من تقرير اقتصادي ما بين 800 بليون وتريليون دولار، ولو قدرنا أن نصف هذا المبلغ أخرجت زكاته لجمعنا سنوياً أكثر من 12 بليون دولار ننفقها على جميع فقراء العالم، ونعالج أزماته وكوارثه كافة! فكيف لو قدرنا بقية الاستثمارات المتراكمة في بنوك أميركا وأوروبا وبقية أغنياء المسلمين وجمعياتهم الخيرية والاغاثية؟ أعتقد أن هناك تقصيراً واضحاً تجاه هذا الواجب الديني والإنساني، وهو اختبار حقيقي لصدقية الحضارات المعاصرة في قيمها ومبادئها، وليس في إعلاناتها وشعاراتها. ونحن كمسلمين أولى الخلق بالإحسان للخلق، فنبينا عليه الصلاة والسلام في وصاياه الكثيرة لم يدع مجالا للعذر في ترك واجبنا تجاه المحتاجين، بل قال يوماً لأصحابه:"ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم".. فهل نعلم؟