صادف امس مرور عام كامل على سيطرة حركة "حماس" على قطاع غزة بالقوة في عملية دامت أقل من اسبوع ألحقت خلاله الحركة هزيمة ساحقة بقوات حركة"فتح"والأجهزة الأمنية التي تهيمن عليها، في خطوة فاجأت الاوساط الفلسطينية والاقليمية والدولية، وطبعاً اسرائيل. ومنذ ذلك الحين أدخلت"فتح"والسلطة الفلسطينية مصطلح"الانقلاب على الشرعية"، فيما اعتمدت"حماس"مصطلح"الحسم العسكري"او"العملية التصحيحية"الى القاموس السياسي الفلسطيني. لكن الأهم من كل ذلك هو دخول الانقسام السياسي والاجتماعي الرأسي والأفقي الى الساحة والمجتمع الفلسطيني، وتكريس الفصل الجغرافي الذي تسببت به اسرائيل من خلال فصلها الضفة الغربية عن غزة. وعلى رغم ان"حماس"تقول ان عمليتها العسكرية جاءت استباقاً ل"انقلاب"كانت تخطط"فتح"للقيام به للالتفاف على نتائج الانتخابات التشريعية التي اوصلتها الى المجلس التشريعي ب74 مقعداً، وعدم تمكينها من الحكم والمشاركة في النظام السياسي الفلسطيني، بل وابقاء هيمنتها على هذا النظام، إلا أن ما حصل شكل علامة فارقة في العلاقات الداخلية وسابقة في حل الخلافات السياسي. وبعد اربعة ايام من الاقتتال العنيف الذي بدأ في شوارع مدن القطاع وانتقل ليتركز حول المقار الأمنية ومكتب الرئيس محمود عباس، كانت السيطرة الفعلية لحركة حماس، وفر من القطاع المئات من قيادات"فتح"وكوادرها، إما الى مدينة العريش المصرية بواسطة سفينة، او الى الضفة عبر معبر"ايرز". وفي يوم الخميس 14 حزيران يونيو، خرج الرئيس عباس عن صمته الطويل وأصدر عدداً من المراسيم السياسية، من بينها حل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة اسماعيل هنية، وأعلن حال الطوارئ وكلف الدكتور سلام فياض تشكيل حكومة طوارئ، ما لبثت ان تحولت الى حكومة تسيير اعمال، ظلت حتى الآن تمارس اعمالها في الضفة الغربية فقط، فيما بقيت حكومة هنية تمارس نشاطاتها في القطاع، فأصبحت هناك حكومتان وكيانان ودولتان وربما شعبان، احدهما يعيش في الضفة، والآخر في القطاع. ومرت الايام، وأخذ كل من الحكومتين يبسط سيطرته على الأرض ويسعى الى اقصاء الطرف الآخر، فأصبحت"حماس"خارجة عن القانون بموجب مرسوم رئاسي، وباتت ملاحقة ومحظورة النشاط في الضفة الغربية، في حين لم يصدر أي قرار باعتبار"فتح"خارجة عن القانون في القطاع، لكنها اصبحت حركة محظورة في القطاع، خصوصاً بعد احداث 12 تشرين الثاني نوفمبر 2007 عندما قتلت قوات الشرطة عدداً من انصار الحركة اثناء مهرجان تأبيني في ذكرى رحيل الرئيس ياسر عرفات في غزة. من جهتها، اغلقت حكومة فياض المؤسسات والجمعيات التابعة ل"حماس"في الضفة، واعتقلت مئات من ناشطيها، وعشرات الصحافيين واغلقت مكاتب اعلامية، ومنعت الموظفين من العمل في الوزارات والهيئات الحكومية، وقطعت رواتب الآلاف منهم، وعطلت الشرطة والأمن والقضاء والنيابة العامة وغيرها من المرافق الخدمية والضرورية والحيوية. ومثلها فعلت حكومة هنية، إذ حلت جهاز الأمن الوقائي، وشكلت بدلاً منه"إدارة الأمن الداخلي"، وأعادت بناء جهاز الشرطة والأمن العام. كما شكلت مجلس العدل الأعلى، وعينت عدداً من القضاة ووكلاء النيابة، وسيطرت على ديوان الموظفين. وبعدما سجلت اول انجازاتها من خلال اطلاق مراسل هيئة الاذاعة البريطانية"بي بي سي"الزميل الاستكلندي آلان جونستون في 4 تموز يوليو 2007 بعد احتجاز دام نحو اربعة اشهر، بدأت مرحلة جديدة قوامها الاعتداء على الصحافيين الفلسطينيين، الأمر الذي شكل ظاهرة لافتة ومريرة وخطيرة. وعلى رغم استباب الوضع الامني في اعقاب سيطرة"حماس"على القطاع، واختفاء المظاهر المسلحة، وظاهرة اطلاق النار وخطف المواطنين والصحافيين والاجانب، برزت ظاهرة للمرة الأولى في القطاع هي الاعتداء على مؤسسات وجمعيات ومدارس ومراكز تعود الى المسيحيين في القطاع، وصلت حد قتل رامي عياد على خلفية دينية من متشددين اسلاميين يُعتقد انهم ما زالوا طلقاء. واللافت ان حكومة هنية اظهرت تقاعساً في اعتقال مرتكبي هذه الجرائم التي هددت النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي والعلاقات التاريخية بين مسلمي فلسطين ومسيحييها. وبرزت ظاهرة أخرى لا تقل خطورة عن الاولى، تتمثل في تشكيل مجموعات مسلحة دينية متشددة أطلقت على نفسها اسماء مختلفة، اخذت ترعرع في ظل حكم"حماس"، ما عزز المخاوف والهواجس ليس لدى المسيحيين فقط، بل في المجتمع الفلسطيني. كما وقعت خلافات حادة بين انصار"حماس"وانصار حركة"الجهاد الاسلامي"وعدد من الفصائل الاخرى، وصلت الى حد الاشتباكات المسلحة في الشوارع اكثر من مرة، قبل ان تتراجع حدتها وتعود العلاقات معها الى وضعها السابق. وتدحرجت الخلافات ككرة الثلج بين"حماس"وبقية الفصائل، ومن بينها"فتح". ويرى مراقبون ان"حماس"التي بررت سيطرتها على غزة بأنها جاءت لوضع حد لتيار"انقلابي"في"فتح"كان يقوده آنذاك النائب محمد دحلان، انتقلت الى موقع"العداء"لحركة"فتح"بتياراتها المختلفة، قبل ان تنشب الخلافات مع الفصائل الاخرى. في غمار كل ذلك، احكمت اسرائيل حصارها على القطاع في اعقاب سيطرتها على القطاع، على رغم انها تفرض حصاراً مشدداً منذ سنوات، شددته في اعقاب فوز"حماس"في الانتخابات التشريعية. وأصدرت الحكومة الاسرائيلية برئاسة ايهود اولمرت قراراً في 19 أيلول سبتمبر اعتبرت بموجبه القطاع"كياناً معادياً". وبموجب هذا القرار منعت فلسطينيي القطاع من استيراد عشرات السلع الضرورية والمواد الخام، وقلصت امدادات الغذاء والأدوية، ولاحقاً الوقود الى القطاع، ما حول حياة مليون ونصف المليون فلسطيني الى ما يشبه الجحيم. وبعدما شد الفلسطينيون الأحزمة على بطونهم، وصبروا على الجوع والفقر والبطالة التي وصلت معدلاتها الى أعلى مستوى منذ سنوات طويلة، ارغمتهم قرارات الحكومة الاسرائيلية على السير على أقدامهم، وتناول"النواشف"بدلاً عن الأطعمة الساخنة، بعدما نفدت كميات الوقود والغاز المنزلي. وفي خضم كل هذه الاحداث والتطورات، انقسم الشارع الغزي في شكل غير مسبوق."الحياة"استطلعت آراء بعض المواطنين والمحللين والخبراء في العام الأول على سيطرة"حماس"على القطاع. وقالت وداد التي ترأس جمعية محلية انها تنتظر اللحظة التي ترى فيها"انتهاء حكم حماس للقطاع بعدما أذاقونا الويلات... وجوعونا وأفقرونا". في المقابل، لم ينتقد الشاب محمد حسان"حماس"، معتبراً ان"الوضع أحسن في ظل حكمها من ذي قبل وأن ما فعلته كان متوقعاً وطبيعياً". مع ذلك، تمنت وداد ومحمد ان تلقى دعوة الرئيس عباس للحوار الوطني الشامل آذانا صاغية، وأن لا تضع فتح"عراقيل وشروطاً"أمام هذا الحوار. ورأى الياس وهو مسيحي من مدينة غزة ان ما حصل في حزيران يونيو الماضي أثر في شكل سلبي على حياة المسيحيين في القطاع، وحرمهم من ممارسة أبسط عاداتهم الدينية والاجتماعية. وقال ان"الخوف والقلق يعتريان المسيحيين في القطاع، خصوصاً بعد بروز ظاهرة القوى الاسلامية المتشددة التي تتبنى فكر تنظيم القاعدة، خصوصاً في ظل وضع يحاول فيه البعض اللعب في المياه العكرة، واظهار المسيحيين وكأنهم جزء غريب عن الشعب الفلسطيني على رغم انهم جزء اصيل منه". ووصف مثل هذه الأعمال بأنها"مشبوهة تهدف الى تهجير المسيحيين من القطاع وتوجيه رسالة الى العالم الغربي، وكأن هذا الجزء من الارض لا يحتمل ان يعيش فيه ابناء ديانة اخرى"، فضلاً عن ان هدفه أيضاً"تشويه صورة حماس، وضرب الأمن في القطاع"من خلال الهجمات المستمرة على عدد من المؤسسات المسيحية. ووجه اللوم الى"حماس"على تقاعسها ازاء هذه الجرائم والاعتداءات، وقال ان الحركة والحكومة"طمأنت المسيحيين قولاً وليس فعلاً". وأضاف ان"المسيحيين في ظل هذا الوضع أمام خيارين إما التوقيع والانعزال او الهجرة نتيجة عدم الشعور بالأمن". وقال الياس ان مطلب المسيحيين ان"تصدر فتاوى دينية من حماس وغيرها تؤكد سريان العهدة العمرية في فلسطين، وانهم جزء اصيل من الشعب الفلسطيني، وهم مناضلون وطنيون، من بينهم شهداء وجرحى وأسرى، وينظرون الى اميركا والاستعمار مثل نظرتهم الى اسرائيل... نظرة عداء للاحتلال". ورأى مدير مركز"الميزان"لحقوق الانسان عصام يونس انه بعد عام على سيطرة"حماس"على القطاع"اصبح هناك نظامان سياسيان، احدهما في الضفة والآخر في غزة". وقال انه يقيس الأمور"من منظور حال العدالة النظام القضائي التي تأثرت سلباً بسبب حال الانقسام"، مضيفا ان"مجلس العدل الأعلى، والمحاكم وجهاز النيابة العامة التي تم تشكيلها تفتقر الى أي اساس قانوني، وبغض النظر عن الاسباب والدوافع وراء تشكيلها"، في اشارة الى تعطيل عمل هذا الأجهزة من فريق السلطة في رام الله. وتابع ان"ظاهرة الانفلات الأمني تراجعت كثيراُ خلال العام الأول من سيطرة حماس، لكن ظواهر الخطف والقتل واستخدام السلاح لم تختف تماماً بعد"، مشيرا الى"الاعتقالات والتعذيب وسوء معاملة المعتقلين في سجون حماس". ولفت الى أنه لمس"مأسسة للمؤسسة الأمنية، بمعزل عن شرعيتها من عدمها، وتمثل ذلك في وجود جهات وعناوين يمكن الاتصال بها من منظمات حقوق الانسان والمحامين". لكنه اشار الى أن هناك تراجعاً في هذا الشأن بعدما أصرت دائرة الأمن الداخلي على أن يكون هناك رجل أمن أثناء لقاء محامي المعتقلين مع ممثليهم، الأمر الذي حدا بالمركز الى رفض زيارة المعتقلين حتى ينتهي هذا الأمر. ولفت الى أن"حال الحريات العامة وحرية الرأي والتعبير والصحافة وحرية التجمع السلمي شهدت تراجعاً خلال النصف الأول من العام الأول ولكن الصورة أفضل نسبياً الآن". ولخص المحلل السياسي، الكاتب الصحافي طلال عوكل الوضع في القطاع في ظل حكم"حماس"بأنه"سيئ"، واصفاً القطاع بأنه"كئيب بائس يائس، مدمر من الجوانب المختلفة". وقال إن"المواطن الغزي أصبح لا ينتمي الى الأهداف الوطنية، بل يبحث عن أبسط الاشياء التي لم تعد متوفرة". وأضاف أن"القطاع تحكمه القوة والاحتكار السياسي وقمع الحريات العامة". واعتبر ان"الانقسام بالمعنى السياسي شكل خطراً كبيراً على القضية و المشروع الوطني الفلسطيني، واضعف كل الخيارات، بما فيها خيار المفاوضات مع اسرائيل". وقال ان"الانقسام تجاوز حدود الصراع على السلطة الذي عبر عن نفسه في وجود برنامجين سياسيين، الى أن اصبح تدميراً لكل عناصر القوة الفلسطينية". واعتبر أن"لا السلطة ولا حماس تستطيعان التحدث عن انجازات سياسية، وحتى حماية منجزات سياسية مثل وحدانية السلطة والشعب والجغرافيا ووحدة المشروع الوطني". وفي تعليق ان كانت"حماس"قدمت نموذجاً افضل من نموذج"فتح"، اعتبر عوكل أن"الوضع أصبح اسوأ من ذي قبل، وان حكم حماس يقوم على القوة والتفرد وبناء المؤسسات الموازية".