يحدث دائما في المواجهات أنّ كلّ طرف من أطراف النزاع يصرّ على التحصّن بمبدأ من المبادئ الأساسية التي لا تخلو من الوجاهة الظاهرية أم الحقيقية. وقضية دارفور لا تخرج عن هذا الشكل المتعوّد، حيث تصرّ السلطات السودانية على مبدأ السيادة وهو مبدأ ذو صلاحية قانونية، وتتمسك القوى الغربيّة بمبدأ المساعدة الإنسانية وهو مبدأ ذو صلاحية أخلاقية. والعقل الغربي متعوّد منذ مأساة أنتيغونا على أن يجعل الغلبة للأخلاقي الطبيعي على السياسي التواضعي، أمّا المجتمعات المحلية فهي تميل إلى اعتبار نزاع الأخوة شأنا داخليا لا يجوز للغريب التدخل بشأنه، وإن بلغ النزاع حدّا من الإضرار والعنف هو النقيض الفعلي لكل معاني الأخوّة. وفي دارفور مأساة إنسانية بالغة لا يصح الصمت بحقها أو التهاون بأمرها. وهذه المأساة ندركها من خلال الأعداد الضخمة للمهجّرين. فما عسى أن يدفع أناسا عاشوا قرونا في الفقر المدقع والبؤس التام على أن يغادروا مواطنهم الأصلية لو لم يكن يتهدّدهم ما هو أقسى من ذاك الفقر والبؤس؟ وما عسى يكون التهديد حينئذ وماذا يخافون فقدانه وهم الذين لا يملكون شيئا سوى أنهم يحاولون المحافظة على الشيء الوحيد الذي يتمتعون به وهو رمق الحياة؟ لكننا إذا تجاوزنا هذا الحدّ دخلنا في السمة الثانية لقضية دارفور، تلك التي تحدّد لها خصوصيتها وتفردها بين القضايا الدولية الأخرى، وهي الإلغاز وغموض الدوافع بشأن ما يحصل هناك. فإذا كان الخلاف بين دعوى السيادة ودعوى التدخل الإنساني قائما على أشدّه، فإنّ ثمة اتفاقا بين صاحبي الطرحين على الصمت بشأن السؤال الرئيسي: لماذا أصبح أهل دارفور ضحية التهديد وهم الذين لا يملكون شيئا ولا يمثلون خطرا ولماذا أصبحوا محتاجين للحماية وهم الذين تعودوا على مخاطر العيش منذ قرون؟ تعمل القوى الغربية على نفي صلة قضية دارفور بالنفط والصراعات من أجله وتسعى إلى تقديم القضية على أنها إنسانية بحتة، لأنها تخشى ردود فعل مواطنيها إذا ما تطلب الأمر التضحية بالأموال وأرواح بعض الجنود. والحقيقة أن الموقف الغربي لا يخلو فعلا من الإنسانية، فلولاه لتواصل الاعتداء على آلاف البشر تحت جنح الصمت، ولولا المساعدات الإنسانية الغربية لتواصل موت مئات الأطفال والنساء جوعا وعطشا، ولولا الضغوط الغربية لواصلت السلطات السودانية تجاهلها ونفيها لقضية دارفور. هذه حقيقة لكنها ليست كل الحقيقة. فالموقف الإنساني يتداخل بحسابات الربح والخسارة، أقول يتداخل لا يتخفى، لأنه لا تناقض بين أن تكون لأطراف رغبات ربحية ونزعات إنسانية في الآن ذاته، بل هذه هي روح الحضارة الغربية الحديثة. والمغالطة التي نراها في بعض الخطابات الإعلامية العربية هي أنها تقوم على مصادرة أن وجود الربحية هو نقيض الإنسانية. هب أن القوى الغربية تبحث عن النفط في دارفور فهل يبرر ذلك تواصل مأساة أهلها دون رقيب ولا حسيب؟ إنّ المفارقة الأكبر أن السلطات السودانية تساهم بنفس الإصرار في إلغاز القضية والتعمية عليها وليس أعجب من الإعلام السوداني الرسمي الذي يكرّر ادعاءين متناقضين: فهو ينفي وجود النفط في منطقة دارفور ويؤكّد أن ما يحصل هناك هو من قبيل النزاعات التقليدية بين القبائل، وهو يؤلب الرأي العام المحلي ويحاول حشد التأييد العربي والإسلامي ضد التدخل الغربي بحجة أنه يهدف للاستحواذ على الثروات النفطية للسودان. إذاً، يوجد نفط في دارفور أم لا يوجد؟ ثمة لا شك نزاعات بين القبائل والأعراق في دارفور وفي غير دارفور من المناطق الإفريقية، وما لا يقوله الإعلام السوداني بوضوح هو أن القبائل الإفريقية التي تعربت وأسلمت بصفة سطحية ترى أنها أصبحت بذلك متفوقة على مثيلاتها التي حافظت على تقاليدها الأولى، وأن هذا التفوق يمنحها حقّ الإغارة والسبي والاستيلاء على الأملاك، والحكومة المركزية لا قدرة لها على منع ذلك. لكن هذه المظاهر موجودة منذ عهود فلماذا اتخذت اليوم الشكل المأسوي الذي نرى؟ السيناريو المفترض الأوّل هو أن الغرب الشيطاني هو الذي هجّر أهالي دارفور ليظهر بعد ذلك بمظهر المخلص لهم ويسيطر على النفط الذي تحتويه أراضيهم. السيناريو المفترض الثاني هو أن السلطات السودانية هي التي دفعت إلى تهجير هؤلاء كي تفسح المجال لعمليات التنقيب على النفط غير عابئة بمصيرهم ولا راغبة في أن تقاسمهم فوائد ثروات ظهرت على أراضيهم. ومع أني لا أشارك سذاجة بعض المثقفين الذي يرون في القضية مجرّد تحرك ذي بعد إنساني فإني اختار السيناريو الثاني حلاّ لهذا اللغز، فهو الأكثر منطقية، وإن قلبت القوى الغربية السحر على الساحر وأصبحت تستغلّ مأساة أهل دارفور لمخططاتها النفطية في المنطقة. وبين المأساة والإلغاز يواصل آلاف البشر مواجهة مصير مأسوي قد لا ينتهي قريبا.