ثلاثة أشهر كاملة هي طول العطلة الصيفية لملايين الطلاب والطالبات. قلة قليلة هي من تجد طريقها إلى سبل الترفيه الصيفية المعتادة والتي باتت حكراً على طبقات اقتصادية بعينها. لكن الغالبية العظمى تجد نفسها محتجزة في حر القاهرة وقلة البدائل المتاحة للترفيه الذي صارت كل خطوة فيه بالغة الكلفة. وعلى رغم أن العمل الصيفي ظاهرة ليست بالحديثة، لم تلق يوماً إقبالاً ملحوظاً من الشباب المصري، باستثناء حقبة السبعينات وأوائل الثمانينات التي شهدت إقبالاً شبابياً ذكورياً واضحاً على السفر إلى أوروبا في الصيف للعمل. ومع عصر تقنية المعلومات وشيوع وسائل الاتصال الحديثة من إنترنت وهواتف محمولة وما يرتبط بها من ميول شبابية لتحميل أغان ورنات وأفلام والاستخدام الواسع والمتعدد للشبكة العنكبوتية في الأوساط الشبابية، تنبه البعض لهذه الميول التي تحمل في طياتها العديد من الفرص المادية السريعة والسهلة شرط الإلمام بقواعد التقنيات الحديثة والقليل من الحظ والكثير من الشطارة. محمد 17 سنة طالب في الصف الثاني الثانوي. هوايته الكومبيوتر، إذ يمضي الكثير من الوقت في فك وتركيب الأجزاء الدقيقة منه. وعلى رغم ان له العديد من سوابق"إفساد"أجهزة قديمة في بيت والده مهندس الكومبيوتر، تحول أخيراً إلى"مشروع مهندس كومبيوتر"متميز. وفي اثناء العام الدراسي الماضي، اكتسب محمد شهرة بين اصدقائه باعتباره"حلال عُقد الكومبيوتر"لديهم. فكلما تعرض جهاز أحدهم لعطل ما، استدعى محمد ليعيده إلى الحياة. وما ان بدأت العطلة الصيفية، حتى كانت الفكرة قد اختمرت في ذهنه تماماً. طبع عدداً ضخماً من بطاقات العمل تحمل اسمه، ورقم هاتفه المحمول مذيلاً بعبارة"متخصص إصلاح أعطال كومبيوتر". وأمضى أسبوعاً كاملاً وهو يوزع هذه البطاقات على الجيران والأصدقاء والأقارب. ثم بدأت العملية تؤتي ثمارها، فتوالت الاتصالات الهاتفية، أغلبها من شباب وفتيات يواجهون أعطالاً طارئة في أجهزة الكومبيوتر الشخصية الخاصة بهم. ويقول محمد انه يمكن إصلاح نسبة كبيرة من هذه الأعطال التي تكون عادة بسيطة، فيعيد مثلاً تحميل برامج معينة، أو يحمل برنامجاً مضاداً للفيروسات لحماية الكومبيوتر، وغيرها. ويتقاضى محمد مبالغ مالية نظير هذه التصليحات، وإن كان يخص أصدقاءه وأقاربه بنسب تخفيض تصل أحياناً إلى المجانية الكاملة. لكن كلمة"الخدمات المجانية"ليست واردة في قاموس الصديقين تامر وسامح اللذين بدءا معاً مشروعاً قوامه تحميل الأغاني العربية والأجنبية الحديثة والقديمة من على شبكة الإنترنت ثم تحميلها على اسطوانات مدمجة أو شرائط كاسيت وبيعها، وذلك من خلال المعارض والأسواق الصيفية التي تقام في النوادي الرياضية ومراكز الشباب. ويتلقى الصديقان العديد من الطلبات بتسجيل اسطوانات أو شرائط تحوي قوائم معينة من الأغاني يجري تجهيزها في 24 ساعة. ويصل ثمن الاسطوانة الواحدة إلى نحو 20 أو 25 جنيهاً بحسب سهولة أو صعوبة الحصول على الأغاني المطلوبة. وليست وحدها الأغاني هي المطلوبة في الأوساط الشبابية خلال الإجازة الصيفية، إذ هناك كذلك تحميل الرنات والصور والخلفيات والألعاب والبرامج على أجهزة الهواتف المحمولة والتي يتقنها أكمل الطالب في أحد معاهد الكومبيوتر والذي يستغل الإجازة الصيفية كل سنة في بيع خدمة من خدمات الكومبيوتر لأصدقائه وأصدقاء الأصدقاء. ويستمتع أكمل كثيراً بنشاطه هذا الذي لا يحتاج منه أدنى مجهود. يقول:"بطبعي أعشق تحميل الأغاني والرنات وغيرها من التقنيات الخاصة بالمحمول من على الكومبيوتر. واكتشفت أن في إمكاني تحقيق كسب مادي بالإضافة إلى تنمية هذه الهواية وذلك بعد كثرة عدد الشركات التي تقدم خدمات مشابهة ولكن بأسعار بالغة الارتفاع. لذلك أقدم هذه الخدمات بأسعار أقل بقليل من تلك المطروحة في السوق، لكني في الوقت نفسه أفصل تماماً بين"البيزنس"والصداقة، حتى أنني تقاضيت من والدتي رسوم تحميل أغاني فريد الأطرش على جهازها المحمول". ولأن المحمول صار في مصر في الآونة الأخيرة ضرورة من ضروريات الحياة بالنسبة إلى قطاع عريض جداً وآخذاً في النمو بين الشباب والمراهقين، اتخذ هشام 20 سنة وهو ايضاً طالب في كلية الآداب من بيع وشراء أجهزة المحمول المستعملة وظيفة صيفية وأحياناً شتوية كذلك"بحسب حركة السوق". يقول إن كل من يعرفه من أصدقاء وزملاء من الجنسين لم يعد يستخدم هاتفاً محمولاً فقط، بل أصبح هناك سباق محموم على اقتناء الأحدث والأعلى تقنية، وهو ما جعل من تجارة الهواتف المحمولة المستعملة سوقاً رائجة. ولذلك فقد اقترض هشام من والده ألف جنيه بدأ بها"مشروعه"فاشترى جهازين مستعملين، ثم باعهما محققاً ربحاً قدره 200 جنيه، وتوسع نشاطه منذ بداية الإجازة الصيفية وبات كثيرون يلجأون إليه بغرض تحديث هواتفهم المحمولة. ويبدو ان هشام حقق توسعاً أفقياً في نوعية تجارته، فبدأ كذلك يتاجر في أجهزة ال"إم بي 3"وغيرها إلى جانب تخصصه الأصلي. المثير هو ان الغالبية العظمى من هذه المشاريع والأعمال الصيفية تدور في فلك التكنولوجيا الحديثة من كومبيوتر وإنترنت وأجهزة هواتف محمولة ومعدات موسيقية حديثة وغيرها، وهو ما يعني إنها الأكثر رواجاً بين الشباب سواء كمستخدمين لها أو كمنتفعين منها من طريق العمل. والغريب ان من تصادفهم في مثل هذه المجالات المبتكرة والموسمية هم من الذكور.