لأن «بابا» منشغل دائماً، فإنّ «انقر وادفع» بدت بديلاً. وحيث إن «ماما» تشكو دائماً ارتفاع الأسعار، فإن «مفاجأة اليوم» و «عرض الأسبوع» و «تنزيلات» أغلقت باب خروقات الميزانية. وبما أن شوارع القاهرة تتحوّل كاراجاً بلا حراك للسيارات في أيام العطلة الصيفية ولياليها، فإن خير مهرب من إهدار الوقت وتضييع الجهد هو شراء الألعاب الجديدة من «غوغل بلاي» عبر بطاقة «بابا» الائتمانية. وما أن يبدأ «بابا» التبرّم من تواتر الفواتير حتى يطالب سكان البيت من الأطفال والمراهقين ببطاقات آمنة مدفوعة مسبقاً تتيح لهم الدفع عبر الإنترنت وتضع حدوداً فاصلة لتأوهات الإسراف وآهات البذخ. البذخ الذي بات فعلاً ماضياً بفعل الاقتصاد الضاغط والسوق الصاعدة أسعاره من دون هوادة، وجد في التسوّق الإلكتروني ملاذاً وعلاجاً. وهو الملاذ الذي يشهد نمواً ويعايش توسّعاً في عطلة الصيف بين مستخدميه من الأطفال والمراهقين والشباب. الرئيس التنفيذي لشركة «جوميا» مصر المتخصصة في التسوّق الإلكتروني، يقول إن نسبة المتسوّقين إلكترونياً من الشباب والصغار تفوق نسبة الأجيال الأكبر سناً، موضحاً أن «65 في المئة من المتسوّقين عبر الإنترنت تبلغ أعمارهم 25 سنة وأقل». أقل ما يمكن أن يوصف به بيت مصطفى فكري (42 سنة) وزوجته نوال مكرم (40 سنة) هو إنه مركز بيع وشراء على مدار الساعة الصيفية. أبناؤهم الثلاثة الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و16 سنة يبيعون ويشترون كل شيء وأي شيء طيلة أيام العطلة الصيفية. أسطوانات ألعاب الكمبيوتر، أجهزة إلكترونية، هواتف محمولة، حتى الملابس والأحذية خضعت للبيع والشراء. يقول مصطفى أن الأمر بدأ قبل قبل نحو أربعة أعوام حين كانت الأوضاع السياسية والأمنية مقلقة وكان الأبناء أصغر سناً، «كنا نخاف عليهم من الخروج وكانت الإنترنت ملجأ لهم. وتدريجاً بدأوا يكتشفون مواقع تتيح شراء الألعاب الإلكترونية، وكنت أسدد قيمتها إلى أن بدأت القيمة تزيد فعبّرت عن اعتراضي، فما كان منهم إلا أن توسّعوا في النشاط وباتوا يبيعون ليموّلوا جانباً من عمليات الشراء». تقول الأم إنها فوجئت بأحدهم يطرق باب البيت قبل نحو عام سائلاً عن ابنها الأوسط وأنه جاء ليشتري حذاء كرة قدم مستعملاً أعلن عنه في صفحة على «فايسبوك». وتضيف: «عرفت إن الثلاثة بدأوا يبيعون بعضاً من مقتنياتهم المختلفة. حاولت أن أرصد ما يبيعون وما يشترون لكن عملية التتبع بالغة الصعوبة». صعوبة اصطحاب الصغار في رحلات تسوّق حيث ضغوط الوقت والجهد والأعصاب والزحام وغيرها، مهّد الطريق أمامهم لخوض مضمار التسوّق الإلكتروني من أوسع أبوابه. باب الإنترنت المفتوح على مصاريعه أمامهم، لا سيما في العطلة الصيفية، يحوي نوافذ لا حصر لها وفرصاً لا مجال لعدها للتسوّق الإلكتروني حيث السهل الممتنع. «أسهل شيء في الدنيا أن تشتري ما يلزمك أينما كنت. لا تضطر لإقناع أهلك بأن تقطع مسافات طويلة لتشتري ما تريده. ولا تجد نفسك تحت ضغط الاستماع لمحاضرة «كيف تشتري الأرخص والأجود والأصلح؟ كما تكون لديك حرية التجوال والتنقّل من متجر أو موقع إلى آخر ومقارنة المنتجات ومطالعة تقويمات من سبقوك إضافة بالطبع إلى إمكان إرجاع المنتج من دون أن تسمع تبكيتاً من الأهل». هكذا يسرد أحمد عمرو (13 سنة) محاسن التسوق الإلكتروني لافتاً إلى أن الجانب الوحيد الصعب فيه هو مصدر التمويل. مصدر التمويل لصغار المتسوقين هو الأهل، وهي الجهة الرقابية الوحيدة القادرة على التحكّم بحركة البيع والشراء. وفي الوقت الذي نجح بعضهم في التخفيف من هذه القبضة الرقابية عبر الاتفاق على تخصيص مبلغ بعينه للتسوّق على أن يلتزم الطرف المتلقي بعدم المطالبة بأي إمدادات أو زيادات، يجد البعض الآخر نفسه واقعاً تحت هيمنة رأس المال وذلك بالتدقيق في كل كبيرة وصغيرة تشترى. «شراء الملابس عبر المواقع وصفحات معروفة على فايسبوك وغيرها أمر سهل جداً. ويمكن العثور على صفقات وفرص يندر وجودها في المحلات والمراكز التجارية الكبرى»، كما تؤكّد ريم حسن (18 سنة). وتفاخر بأنها تمكنت من ضم والدتها إليها بعد ما كانت تعارض وتقاوم وتحرض والدها ضد هذا التوجّه. تقول: «في البداية كانت والدتي ترفض كل ما أعرضه عليها من منتجات. هذا يبدو سيئاً، وتلك شكلها رخيص، وهذه غير معروفة المصدر، إلى أن أدمنت التنقل بين هذه الصفحات ومقارنة المعروض ومطالعة التقويمات وأصبحت خبيرة في التسوّق عبر الإنترنت». لكن التسوّق العنكبوتي له مخالب، وأحدها هو النصب والاحتيال. فبدءاً بشراء ملابس أو أسطوانات تباع على إنها أصلية ثم يتضح أنها من أردأ الأنواع، مروراً بتحصيل الأموال ثم اختفاء الصفحة بمالكها، وانتهاء بأن تكون صفحات غير موثقة منصة لمتحرّشين أو سارقين أو ما شابه. اختصاصي علم النفس التربوي الدكتور هشام فتحي، يقول إنه «في عالم مثالي يجب أن يكون الأهل رقباء على تعاملات الصغار ومشترياتهم ومبيعاتهم على الإنترنت. لكننا لسنا في عالم مثالي، ولا حتى في عالم واقعي. نحن نتحدّث عن عالم افتراضي قلب القواعد رأساً على عقب. ونجد أنه في الوقت الذي نشدد على سبل مراقبة أنشطة الصغار عبر الإنترنت ومتابعتها لحمايتهم ونصحهم، نلجأ إليهم ليفكوا لنا شيفرة عنكبوتية أو يصلحوا ما أصاب هواتفنا المحمولة أو أجهزة الكومبيوتر الخاصة بنا». ويتابع: «هذا لا يعني أن يُترك نشاط الصغار على مواقع التسوّق بلا رقابة أو متابعة، لكن المتابعة عبر المشاركة أفضل الطرق وأوقعها». تشير الأرقام إلى أن إحدى شركات التسوّق الإلكتروني الكبرى شهدت تعامل 15 مليون مصري على موقعها، ما يعني أن شريحة المتسوّقين عبر الإنترنت في مصر آخذة في الاتساع. وإلى أن تفعّل القوانين الموجودة أصلاً، ينصح الدكتور فتحي الأهل ببذل كل ما لديهم من قدرات لمتابعة أنشطة أطفالهم وأبنائهم التسوّقية «لأن فرض قوانين على الحدّ الأدنى لسن التسوق، أو نوعية المنتجات التي يشتريها الأطفال أو ما شابه لن تفعل على أرض الواقع. لكن يمكن الأهل المشاركة في عملية التسوّق، ووضع القيود والمحاذير عبر التحكّم في التمويل، ومراجعة المشتريات كلما أمكن ذلك».