في الأصل، مقارنة مع أعمال لويجي بيرانديللو الأخرى، سواء أكانت روائية - قصصية، أو مسرحية، قد لا تبدو القصة القصيرة"الجرة"التي كتبها لتنشر ضمن مجموعة قصصية أصدرها عام 1917 في عنوان"قصص من أجل عام"، أكثر من مزحة. فهي - على عكس الأعمال الأخرى - تكاد تكون خالية من أي معنى حقيقي، وتشبه الحكايات الطريفة التي تروى عادة على سبيل التفكه. بل ان القارئ العربي قد يجدها شديدة الشبه بحكايات جحا. ومع هذا عرفت"الجرة"مصيراً شديد الاستثنائية بين أعمال بيرانديللو: فهي حولت، أولاً، الى مسرحية على يد الكاتب نفسه، ومن ثم ترجمت، كقصة وكمسرحية، الى عدد لا بأس به من اللغات، وقدمت على خشبات عدة. وبعد ذلك نجد كيف أن الموسيقي الإيطالي، المقيم في باريس في ذلك الحين ألفريدو كازيلا، حولها الى باليه راقص كان الرسام جورجيو دي كيريكو، أول مخرج ورسام ديكور له، حين قدم في العاصمة الفرنسية للمرة الأولى سنة 1924، فحقق نجاحاً كبيراً واعتبرت موسيقاه، المحلية الإيطالية أساساً، نوعاً من الانفتاح الأممي على موسيقى الشعوب. ثم لاحقاً، بعد ما يقرب من ثلاثة أرباع القرن أتى المخرجان السينمائيان الإيطاليان، الأخوان تافياني، ليحولا الموضوع الى فيلم سينمائي قصير كان أحد اسكتشات فيلمهما"كاووس"أو"الفوضى". والحقيقة ان المرء إزاء هذا كله لا يسعه إلا أن يتساءل عن سر هذا الرواج لعمل لم يكن بيرانديللو ليتوقع له، بداية، أن يكون أكثر من قصة مسلية مضحكة رواها ذات مساء ممل. ومن الواضح هنا، جواباً عن هذا التساؤل، أن كثراً رأوا في العمل، وانطلاقاً منه، أكثر بكثير مما يوحي به أول الأمر. بل لنقل تحديداً، ان قوة هذه الحكاية/ المسرحية، تكمن من ناحية في تصويرها المعاصر لشخصية الماكر، ومن ثم قدرتها على رسم صورة خفية للمناخ اليومي ولعلاقات الأشخاص في المكان الذي حدده بيرانديللو لوقوع الحدث، وهو جزيرة صقلية... ثم بعد ذلك هناك"الثيمات"الخفية الكثيرة التي ترتبط بأدب بيرانديللو ككل ولا سيما لعبة الانقلابات المسرحية والتحول في السيطرة على الموقف بين الشخصيات، والوحي بوجود حرية دائمة لكل شخصية مركزية في أن تعيش حريتها الخاصة. صحيح ان هذا كله قد لا يبدو ظاهراً لدى القراءة الأولى للقصة، لكنه ظهر بوضوح حين صارت مسرحية، وراحت الشخصيات تتحرك على الخشبة. ومنها ? للمناسبة ? خشبة كويتية شاهدنا المسرحية تقدم عليها سنة 1970، تحت اسم"الزلعة"، وهي كلمة تعني الجرة الكبيرة في مصر، علماً أن الترجمة اعتمدت في التقديم الكويتي في ذلك الحين. تدور مسرحية"الجرة"إذاً، من حول جرة كبيرة اشتراها الدون لولو تسيرافا لتوه، ويبدو لنا منذ اللحظات الأولى فرحاً بها وفخوراً. لكن الجرة، وفي شكل غير متوقع، تنكسر أمام ناظري صاحبها، الذي كان ? للصدفة ? قد اصطحب معه الى بلدته الريفية، محاميه لدراسة بعض شؤونه. وإذ يتبادل الاثنان الرأي في ما يتوجب فعله، يقر رأيهما على أن يكلفا الأحدب تزيديما إصلاح الجرة، عبر محاولة لصقها من الداخل. وبالفعل يقبل تزيديما المهمة ويدخل الى قلب نصفي الجرة المكسورين وينكب على عملية اللصق التي سرعان ما تنجح وتلتصق الجرة. ولكن هنا تبرز معضلة جديدة: ان تزيديما الآن موجود داخل الجرة، غير أنه بسبب حدبته، غير قادر على الخروج منها، ذلك أن عنق الجرة أضيق من أن يسمح لحدبته بالمرور. فما العمل؟ من جديد يتشاور تسيرافا ومحاميه ولكن من غير طائل، ذلك أن ليس أمامهما سوى واحد من حلّين: فإما أن تنتزع من تزيديما حدبته وهذا أمر مستحيل، وإما أن تكسر الجرة من جديد كي يتمكن من الخروج، خصوصاً أن"الحل"الثالث لا يبدو لهما ممكناً على الإطلاق، حتى وإن فكر فيه واحد منهما للحظة: الحل الذي يقوم على إبقاء الأحدب في داخل الجرة! وفيما كان الاثنان يتجادلان غير قادرَين على الوصول الى حل، يصرخ الأحدب من الداخل معلناً أنه سيكسر الجرة كي يخرج. وهنا أمام هذا الموقف المستجد، يحس تسيرافا بأنه وجد الحل: إذا كسر الأحدب الجرة من تلقائه فإنه هو ? أي الأحدب ? من سيكون عليه أن يدفع ثمن الجرة. وإذ يعبر تسيرافا عن هذا الرأي، يذهل الأحدب العجوز... لكنه يقرر المقاومة ولا يكون منه الآن إلا أن يشعل غليونه ويتمدد داخل الجرة معلناً أنه لم يعد في عجلة من أمره للخروج: لقد قرر إذاً أن يربح القضية ويلعب لعبته. وإذ يدرك الدون لولو تسيرافا أن موقف الأحدب صار أقوى من موقفه بكثير، لا يتورع في ثورة غضبه عن رمي الجرة، بمن فيها في اتجاه شجرة فتتكسر قطعاً عدة... ما يمكِّن الأحدب من أن يخرج منها، ليس سليم الجسم فقط، بل منتصراً رابحاً رهانه. كما قلنا أعلاه، تبدو هذه الحكاية شديدة الشبه بحكايات جحا، حيث الصراع ومحاولة كل طرف خداع الطرف الآخر. وثورة الغضب التي تندلع، وتغلب مكر على مكر آخر إنها مجرد حكاية هزلية، لكن الكاتب عرف كيف يحولها الى عمل ذكي، لا يحاول أن يدعي أي عمق... كل ما في الأمر انه رسم أدواراً لشخصيات بدا من الواضح أنه إنما يريد أن يسخر منها جميعاً، وإن في شكل لا شرّ فيه ولا أذى. إنه نوع من السخرية الحنونة، التي تتعامل مع الشخصيات وكأنها أطفال يلهون. غير أن هذا كله، إذ يبدو على هذا النحو أول الأمر، سرعان ما يتخذ بعد ذلك سمته التحريرية: أي ان المشهد كله بعد أن تنتهي خبطاته المسرحية، وبعد أن ينتصر مكر واحدة من الشخصيات على مكر الأخرى، وعفوية الريفي البسيط على خداع المحامي ابن المدينة ? وهذه ثيمة أساسية من ثيمات هذا العمل -، يطلق بيرانديللو العنان للشخصيات تعانق الطبيعة في رقصة معبرة على موسيقى محلية دينامية، تأسر في النهاية الشخصيات كلها. ولعل هذه النهاية التحريرية، هي التي أوحت للموسيقي كاسيلا، بأن يحول هذه القصة الى ذلك الباليه الذي كان لافتاً أن يهتم به، ديكوراً وإخراجاً، إيطالي آخر كان بدأ يبرز على ساحة الفن التشكيلي العالمي كرسام أمكنة وفراغات وجودية، قبل أن يتحول ليصبح واحداً من السورياليين، ونعني به هنا ? بالطبع ? جورجيو دي كيريكو. مهما يكن، فإن ما لا بد من الإشارة إليه في هذا السياق ان هذه القصة وتحولها المسرحي، بعد أن عاشت طويلاً معتبرة مجرد عمل ترفيهي يقبل الكثر على خفته ويستسيغونه، راحت بعض التحليلات اللاحقة تربط موضوعها، بجزء من الذهنية التي حكمت دائماً فن لويجي بيرانديللو 1867 - 1936 ونظرته الى أدبه وفنه، في رمزية يجعلها التحليل المعمق ممكنة وقابلة لأن تسود. وهذه الرمزية تطاول هنا انسداد الآفاق والوصول الى الحلول المبتكرة بدلاً من الإذعان أمام الانسداد، وما الى ذلك. ولئن كان باحثون كثر قد توصلوا الى هذا التحليل، فإن آخرين وحتى من بين الذين قدروا عالياً كتابة بيرانديللو ورأوا أن من الحق حصوله العام 1934 على جائزة نوبل للآداب، رأوا أن ذلك التحليل يحمّل العمل أكثر مما يحمل. ولويجي بيرانديللو الذي ولد في صقلية ليموت بعد تسعة وستين عاماً، هو واحد من كبار الكتّاب الإيطاليين، ولا سيما في مجال الكتابة المسرحية التي كان أحد كبار المجددين فيها على الصعيد الأوروبي، ولا سيما من خلال أعمال كانت العلاقة بين الكاتب وشخصياته تلعب دوراً أساسياً فيها. وهو ما نلاحظه خصوصاً في عمله الأشهر"ست شخصيات تبحث عن مؤلف"، كما في مسرحيات أخرى له عرفت وجالت على كل مسارح العالم، مثل"لكل شيخ طريقته"وپ"هذه الليلة ترتجل"وپ"هنري الرابع"وپ"الأحمق"وپ"لعبة الأدوار"وپ"متعة أن تكون شريفاً"...