يضم العدد الذي يحمل تاريخ 12 من شهر نيسان أبريل الجاري من مجلة "نيويورك ريفيو أوف بوكس" مقالاً بعنوان "عن اسرائيل وأميركا وإيباك" كتبه جورج سوروس، رجل الاعمال والمال العالمي المعروف، يبدأ بتحليل موضوعي دقيق للوضع الفلسطيني وحكومة الوحدة الوطنية والمبادرة العربية للسلام مع اسرائيل، ويكمل بعرض لتطرف اللوبي اليهودي الأميركي الرسمي، وهيمنته على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وما يسبب ذلك من ضرر لغرض السلام في الشرق الاوسط، ومصالح اسرائيل نفسها. كنتُ سمعتُ بجورج سوروس قبل أن أراه، وفي حين ان دنيا الاقتصاد لا تهمني في كثير أو قليل، فإنني اهتممت بنشاطه بسبب مواقف سياسية له وأعمال خيرية. ثم تابعت مشاركة سوروس في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ووجدت انه كما سمعت عنه أو أفضل. وكان السنة الماضية يقف على الدرج المؤدي الى قاعة الاجتماعات الكبرى في مركز المؤتمرات، وقلت له انني لا افهم كثيراً في الاقتصاد، الا انني أؤيد مواقفه السياسية وأشكره عليها. ولعلّي أشكره مرة ثانية على مقاله في مجلة عرض الكتب الراقية النافذة، وهو ما أريد ان أشارك القراء في مراجعته، ولا فضل لي سوى الترجمة وتعليقات سريعة مختصرة. سوروس لا يخشى الوضع، والسطور الأولى من مقاله تقول:"مرة أخرى ادارة بوش تسير في طريق ارتكاب خطأ سياسي كبير في الشرق الأوسط، ما قد تكون له مضاعفات كارثية، وما لا يحظى بالاهتمام الذي يستحق". الخطأ، في رأي الكاتب، هو ان الادارة تؤيد موقف اسرائيل بعدم الاعتراف بحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، ويقول إن التعامل مع الرئيس محمود عباس وحده بأمل ان تخسر"حماس"انتخابات مقبلة أو تقاطع عقدها مبكرة، استراتيجية يائسة أو بائسة لأن لا سلام ممكناً من دون"حماس". سوروس يقارن الموقفين الأميركي والاسرائيلي بموقف الحكومة السعودية التي دعت الفصائل الفلسطينية الى الاجتماع في مكة المكرّمة، حيث كان الاتفاق على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، ثم يتحدث عن مبادرة السلام العربية التي أقرّت سنة 2002"والتي ستكون محور القمة المقبلة قرب نهاية هذا الشهر آذار / مارس المنقضي، ورأيه ان التقدم غير ممكن طالما ان حكومة أولمرت ماضية في رفض الاعتراف بحكومة الوحدة الوطنية. سوروس يعيد المأزق الحالي الى قرار حكومة آرييل شارون الانسحاب من قطاع غزة من دون تفاوض مع السلطة الوطنية التي تسيطر عليها"فتح"، ما أضعف هذه وعزّز مركز"حماس". ويتحدث عن خطة من ست نقاط وضعها جيمس وولفنسون، الرئيس السابق للبنك الدولي لمساعدة سكان قطاع غزة، الا ان ايليوت ابرامز أحبطها كلها. أزيد من عندي هنا ان ايليوت أبرامز، بطل فضيحة"إيران/ كونترا"، يمثل اسرائيل لا الولاياتالمتحدة في مجلس الأمن القومي، وهو متطرف من المحافظين الجدد لعب دوراً في دفع الولاياتالمتحدة الى حرب غير مبررة على العراق قُتل فيها زهرة شباب أميركا. وكما أرجو ان تحاكم عصابة الحرب يوماً، فإنني أرجو ان يكتب وولفنسون مذكراته، فربما سجل فيها دور وزارة الخارجية الاميركية في الاصرار على استمرار حصار الفلسطينيين في الاراضي المحتلة، والى درجة التجويع، بأمل ان يستسلموا في النهاية ويقبلوا المعروض اسرائيلياً عليهم. أعود الى مقال سوروس فهو يكمل بنقطة أثرتها مرة بعد مرة في هذه الزاوية، ويقول ان النقاش حول السياسة الحالية مكتوم في الولاياتالمتحدة مع انه مفتوح وحيوي في اسرائيل، ومن الاسباب النفوذ المؤذي للجنة العمل في العلاقات الاميركية - الاسرائيلية ايباك، او اللوبي اليهودي الرسمي، وتأثير اللوبي على الحزبين الديموقراطي والجمهوري. وكنتُ شخصياً كتبتُ انني أفضل الكنيست الاسرائيلي على الكونغرس الأميركي، فنسبة المعتدلين الوسطيين في الاول تكاد تكون النصف مقابل أقل من خمسة في المئة في مجلسي النواب والشيوخ الاميركيين. سوروس يرى ان لا حل عسكرياً للنزاع بين اسرائيل والفلسطينيين، ويشير الى عملية السلام التي قادها بيل كلينتون و"رفضها عرفات". وعندي تعليق على الكلمتين الأخيرتين، فأبو عمار لم يرفض اتفاق الاطر، وإنما وافق عليه في البيت الأبيض تحت ضغط من الرئيس الأميركي في 2/1/2001، على ما أعتقد وكان هذا آخر اجتماع بينهما. وعندما عاد أبو عمار الى غزة قال كبار مساعديه ان العرض في حاجة الى تعديل او إضافات، وأرجح ان عرفات ماطل حتى فات الوقت اعتقاداً منه انه سيحصل من ابن جورج بوش الاب على عرض أفضل للسلام. مرة أخرى أعود الى سوروس ومقاله، فهو يرفض بحزم الزعم ان انتقاد اسرائيل يعني لا سامية، كما يفنّد أفكار آلفن روزنفلد، من اللجنة اليهودية الاميركية، الذي يزعم ان اليهود الذين ينتقدون اسرائيل يدعمون اللاسامية واللاصهيونية التي يساوي روزنفلد بينهما. سوروس يشكو من ان كل من ينتقد السياسة الاسرائيلية يتعرض لحملة تشهير، وهو دفع الثمن، فقد هاجمه اليمين المتطرف، حتى ان مارتن بيريتز في"نيوريببلك"زعم ان لسوروس علاقة بالنازية. أقول إن سوروس أشرف من ألف بيريتز متطرف يخدم سياسة تؤدي الى مزيد من القتل بين الفلسطينيين وإسرائيل. ولا أملك وقد ضاق المجال إلا أن أقارن بين رجلين يهوديين خرجا من هنغاريا، سوروس الذي يعمل للسلام وينشط في الاعمال الخيرية لكل الناس، وعضو الكونغرس توم لانتوس، الاعتذاري الاسرائيلي الذي يشجع على القتل ويمثل اسرائيل قبل الولاياتالمتحدة في مجلس النواب الأميركي. وربما قارنت يوماً بين جيمس وولفنسون وخلفه في البنك الدولي بول وولفوفيتز، فالأول طالب سلام بامتياز، والثاني لاعب رئيسي في جريمة الحرب على العراق.