قد تكون قضية جمعية "سفينة زواي" ذات خلفية سياسية. ومختصر القضية اتهام تشاد هذه الجمعية الفرنسية المشهورة باختطاف حوالي المئة من الأطفال وتجميعهم استعدادا لترحيلهم إلى أوروبا. وتقول بعض الروايات إن الجمعية كانت ستسلمهم إلى أسر أوروبية ترغب في تبني الأطفال، وتقول روايات أخرى إنها كانت ستسلمهم إلى شبكات الدعارة بالأطفال. وجمعية"سفينة زواي"جمعية مشهورة في فرنسا، وقد تمتعت بإعانات حكومية وهي تجمع بين العمل الإنساني ونشاط التبني. لذلك كانت القضية محرجة جدّا في فرنسا، وقد هزت الرأي العام والطبقة السياسية وبادر الرئيس الفرنسي بنفسه بالاستنكار والتنديد. الخلفية السياسية لهذه القضية تتمثل في كونها بدت نوعا من الثأر لصالح الرئيس التشادي إدريس دبي ضدّ فرنسا التي كانت قد أرغمته باسم المبادئ الإنسانية على قبول تواجد قوّة دولية على أراضيه، وقبل مكرهاً استقبال 4000 أجنبي سيقدمون قريبا إلى تشاد على الحدود مع دارفور تحت عنوان المساعدة الإنسانية. هذا هو الجانب السياسي في القضية، فدعنا الآن ننظر في ما هو أهمّ. كم قضية من هذا النوع تبلغ مسامع الناس؟ إذا كانت تشاد قد"دوّلت"هذه القضية ولفتت إليها انتباه الرأي العام، فكم من مثيلاتها لم يسترع انتباه الإعلام والساسة والرأي العام؟ ثمة اليوم مؤشرات خطيرة على نشأة نوع جديد من المتاجرة بأطفال البلدان الفقيرة في آسيا وأفريقيا. فالبلدان الثرية تشهد عودة إلى مشاعر الأبوّة أو الأمومة، ولم تعد القطط والكلاب تكفي لتعويض هذه المشاعر. الآلاف من جيل سابق كان يحتقر قيم الأسرة والزواج قد وصلوا إلى سن متقدمة وهم يشعرون بالوحدة. ثمة أيضاً الحالات العادية للأزواج غير القادرين على الإنجاب لأسباب طبية. تزاوج المثليين أو تعايشهم أدّى بدوره إلى طرح قضية الأطفال التي لا حلّ لها عندهم إلا بالتبنّي. وهذا عدا طبعا الدعارة بالأطفال التي أصبحت منتشرة داخل العالم الغربي بعد أن ضيّق عليها الخناق في بعض الوجهات السياحية المعروفة. نعلم أنّ وجود طلب على نطاق واسع يستتبع بالضرورة وجود عرض، والبضاعة في هذه السوق الجديدة هي أطفال العالم الثالث. الدوافع ليست دائما مريبة بل هي في الغالب دوافع بريئة وربما إنسانية. لماذا لا يرعى الأثرياء أطفال المعدمين؟ إذا أصبحت الهجرة ممنوعة على الفقراء، فهل ستصبح متاحة لأطفالهم؟ المأخذ الأوّل على هذا الوضع هو إسقاط الشروط القانونية الغربية للتبني على أطفال من العالم الثالث، والشروط القانونية في الغرب هي غياب الأب والأمّ لأنّ العائلة الغربية هي عائلة"ذرية"كما يقال في علم الاجتماع، أمّا العائلة في العديد من المجتمعات الإفريقية فعائلة موسعة تضم إلى جانب الأب والأمّ والأطفال كلّ الأجداد والأعمام والأخوال، فهم جميعا شركاء في الكفالة. فما يصحّ في حالة الطفل الغربي لا يصحّ دائما في حالة الطفل الإفريقي. المأخذ الثاني هو اضطراب السجلات المدنية في العديد من بلدان العالم الثالث بسبب الحروب أو الرشوة أو ضعف الإدارة. إذا كانت فرنسا في قانون الهجرة الذي أقرّته أخيرا قد فرضت اختبار الحامض النووي للتأكد من صحة الشهادات الأسرية، فلماذا تصدّق هذه الشهادات في فرنسا وغير فرنسا وتقبل في إجراءات التبنّي بمجرّد تنصيصها على فقدان الوالدين؟ المأخذ الثالث أن سوق التبني العالمية هي سوق في اتجاه واحد، يستبعد أن يسمح يوما لثري إفريقي أو آسيوي أن يتبنّى طفلا أوروبيا أو أميركيا دون والدين، والكثير من القوانين الغربية لا تسمح بذلك أصلا، وهذا دليل على أنّ الفقر والحاجة وعدم الاستقرار هي التي تدفع إلى التفريط في الأبناء، وما الضامن في أن يتخلّى والدان بمحض إرادتهما عن ابنهما مقابل مبالغ مالية؟ هل صدقية جمعيات التبنّي ما زالت كافية بعد فضيحة"عرش زواي"؟ والمأخذ الرابع والأخير هو اختلاط نشاط جمعيات التبنّي بالعمل الإنساني، مع أنّ جمعيات التبنّي تقبض مبالغ مالية من طالبي التبنّي بعنوان مصاريف وخدمات. ثم إنّ التبنّي ليس بالضرورة من الأعمال الإنسانية طالما كانت تتوفّر حلول أخرى مثل رعاية هؤلاء الأطفال على عين المكان. فالمفروض أنّ العمل الإنساني هو تضحية، والتبنّي ليس تضحية بما أنّه مطلب أشخاص هم في حاجة إليه بقيمة حاجة المتبنّى لمساعدتهم. إنّ انحراف هذا النوع من النشاط ليس غريبا، وقد نبهت على ذلك جمعيات حقوقية وإنسانية فلم يسمع منها، وربما تكون فضيحة الجمعية الفرنسية درساً يدفع إلى التفكير جديّا في هذه القضية الخطيرة. فقد كان الناس في عهود قديمة يبيعون أطفالهم لتسديد ديونهم، وكان خطف الأطفال الأجانب ظاهرة مستفحلة لدى عديد الدول ومنها الدولة العثمانية ودول أوروبية، ولا يمكن القبول بأن تعود قرصنة الأطفال مجدّدا، ومن الضروري أن يبعث برنامج عالمي لمراقبة هذا النوع من النشاط على مستوى دولي، وعلى الهيئات الدولية والجمعيات الحقوقية أن تتحمل مسؤوليتها في زمن يشهد عودة أشكال شتّى من تجارة الرقيق التي كان يبدو أنها انقرضت.