استنفدت السلطات الفرنسية على مدى الأيام الپ12 الماضية جميع الوسائل والأساليب المتوافرة لديها لتطويق اعمال العنف في الضواحي الفرنسية، ولم يعد امامها إلا مواجهتها بحظر للتجول على الطريقة نفسها التي واجهت بها حرب الجزائر في الخمسينات. فأعمال العنف هذه اتسعت الى درجة انها باتت تنطوي على خطورة استثنائية، ما حتم على الحكومة التعامل معها عبر قوانين استثنائية، فلجأت الى قانون الطوارئ الصادر في 3 نيسان ابريل 1955. وكان رئيس الحكومة الفرنسية دومينيك دوفيلبان كشف عن هذا التوجه الذي اقر خلال اجتماع حكومي خاص عقد برئاسة جاك شيراك. ويجيز القانون الذي بدأ العمل بموجبه عند منتصف الليلة الماضية، لمحافظي المناطق التي تشكل مسرحاً للاضطرابات، فرض حظر التجول، لمدة قصوى لا تتجاوز 12 يوماً، على ان تمدد اذا اقتضى الأمر بموجب مرسوم حكومي جديد. وتتولى اجهزة الامن من شرطة وپ"جندرمة"تطبيق القانون الذي يخولها ايضاً القيام بمداهمات من دون الحصول على اذن قضائي خاص. وأوضح الرئيس الفرنسي امام وزرائه ان هذا القانون ضروري من اجل"العودة الى الهدوء"، داعياً الى تطبيقه استناداً الى"روح المسؤولية والاحترام"، معتبراً ان"اولوية القانون تترافق حتماً مع العدالة"، مكرراً بذلك ان احترام النظام العام لا بد من ان يسبق المعالجة الضرورية لأزمة الضواحي. وسبق اللجوء الى القانون، دعوات متتالية اطلقها رؤساء بلديات المناطق الملتهبة، وبمعزل عن انتماءاتهم السياسية وعما اذا كانوا من اليمين الحاكم او اليسار المعارض، لفرض حظر التجول وأيضاً الاستعانة بالجيش لضبط الأمن. لكن الحكومة اكتفت في الوقت الحالي بإسناد هذه المهمة الى أجهزة الشرطة، التي تم تعزيزها باستدعاء الاحتياطيين. والمؤسف ان يكون تعنت شباب الضواحي، وغالبيتهم من ابناء المهاجرين من الجزائر وغيرها من دول شمال افريقيا، وعدم تقيدهم بأي ضوابط قد فرض العمل بموجب هذا القانون الذي يعيد ولا بد الى اذهان ذويهم ذكريات الحرب الجزائرية الأليمة. فقانون الطوارئ نادراً ما استخدم في فرنسا، وقد طبق عند صدوره لمدة ستة اشهر في الجزائر نفسها عندما كانت لا تزال مستعمرة فرنسية وأعيد تمديد العمل بموجبه لمدة ستة اشهر اخرى في 7 آب اغسطس 1955. اما على الأراضي الفرنسية فإنه طبق، لتفادي الانعكاسات المحتملة لحركة التمرد في الجزائر في 13 أيار مايو 1958. وعلى رغم القيود التي تترتب على هذا الإجراء، على صعيد سكان الضواحي المنهمكين اساساً جراء اعمال العنف التي يعيشونها، فإن الهدف منه هو التضييق على تحركات المخلين بالأمن، ضمن اوقات معينة ومناطق محددة. وعلى رغم طابع الإلحاح الذي ينطوي عليه اعتماد حظر التجول، فإنه اثار نقد وشجب الأحزاب اليسارية المعارضة التي رأت فيه"تراجعاً"وپ"استفزازاً عديم المعنى"، علماً أن التدهور الحاصل على الأرض بات يتطلب وقفة موحدة من قبل القوى السياسية كافة، من اجل العودة الى الهدوء، بدل صب الزيت على النار بجدل عقيم.