مع تراجع اعمال العنف التي اندلعت في الضواحي الفرنسية قبل نحو عشرين يوماً، تبدو الحصيلة الفورية للتعامل الحكومي معها امنية بحتة، وتتمثل بتمديد العمل بقانون الطوارئ لمدة ثلاثة اشهر وأحكام بالسجن بدأت تصدر بحق المتورطين في الشغب وإجراءات ترحيل بحق الأجانب منهم. وصادق مجلس الشيوخ بعد البرلمان، على الإبقاء على هذا القانون الاستثنائي، حتى 21 شباط فبراير المقبل، بهدف اشاعة"الطمأنة". وأكد رئيس الحكومة دومينيك دوفيلبان، ان القانون الذي يخول المسؤولين المحليين فرض حظر تجول في مناطقهم، ليس إلا"إجراء احتياطي ويشكل اداة"ضرورية لإعادة احلال النظام"وحماية سكان الضواحي انفسهم. كذلك، اكد وزير الداخلية نيكولا ساركوزي ان القانون،"يندرج ضمن منطق الاحتياط والحذر"بعد واحدة"من الأزمات المدنية الأكثر حدة وتعقيداً". ويثير قانون الطوارئ على رغم نجاحه في حصر العنف وتمكينه اجهزة الأمن من الأدوات الكفيلة بقمع المشاغبين، الكثير من الريبة والتساؤلات خصوصاً في اوساط الإعلاميين والباحثين والناشطين في مجال حقوق الإنسان، الذين يرون بذلك انحرافاً عن مبادئ الحريات العامة والفردية المعتمدة في فرنسا. في غضون ذلك، قال ساركوزي ان اجراءات ترحيل عن الأراضي الفرنسية، ستطبق بحق عشرة اشخاص من المتورطين في اعمال العنف من غير الفرنسيين، وأن كل من هم في هذه الحال سيرحلون، كونهم يشكلون"تهديداً خطراً للنظام العام". وترافق هذا التصريح مع احكام بدأت تصدر بحق الموقوفين الفرنسيين في اطار الشغب في الضواحي، ومنها حكم بالسجن صدر على شاب في العشرين من العمر، لمدة اربعة سنوات، لإلقائه زجاجة حارقة على متجر للمفروشات في أراس قرب مدينة ليل. وبرر الشاب ما أقدم عليه بقوله امام المحكمة:"أردت ان افعل مثل الآخرين". وفي فوا، اصدرت المحكمة قراراً بالسجن لمدة ثمانية اشهر منها خمسة مع وقف النفاذ، بحق طالبين اوقفا اثناء محاولتهما اشعال سيارات متوقفة عند احد الطرقات. والمرتقب ان يصدر في الأيام المقبلة المزيد من الأحكام كون عدد الموقوفين في المناطق الفرنسية المختلفة زاد عن ألفي شخص. وبخلاف الانتقادات الموجهة لهذا التعامل الحكومي من جانب الأوساط التي يمكن وصفها بالنخبوية فإن التشدد والصرامة، يلقيان تأييداً واسعاً لدى الرأي العام الفرنسي. وأشار استطلاع للرأي اجراه معهد"ايبسوس"الى ان هذا التشدد، المجسد اساساً بساركوزي وإلى حد ما بدوفيلبان ادى الى ارتفاع شعبية الأول بنسبة 11 نقطة، وبنسبة 7 نقاط للثاني. والتخوف الذي تثيره نتائج هذا الاستطلاع، هو ان يحض السلطات على التمادي في عرض عضلات، غير موجه الى المخلين بالأمن وإنما بهدف الحؤول دون استمالة اليمين المتطرف للناخبين الفرنسيين. ومثل هذا التوجه كفيل بتبديد التأثير الإيجابي للكلام الذي سمعه ابناء الضواحي من الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وهو ما كانوا يتشوقون الى سماعه، عندما اكد لهم انهم اياً كانت اصولهم فإنهم"بنات وأبناء الجمهورية".