فتاة مصرية مثقفة ومهتمة بالتكنولوجيا الرقمية. ترعرعت كطفلة وحيدة لأبويها. وعندما حصلت على منحة دراسية للتخصص الاكاديمي العالي في الإعلام من الولاياتالمتحدة الأميركية، تحول ميلها للكومبيوتر الى جزء من العلاقة العائلية. لا تستطيع ان تكف عن قلقها على أبويها، اللذين بدورهما يفكران بها باستمرار. ومثلت الانترنت حلاً ضمن استمرار تدفق المشاعر الاسرية الدافئة. ليس امراً غريباً، لأن الشيء الذي أقنع الوالدين، وقبلهما الابنة رشا عبدالله ، بقبول الغربة، تمثل في فرصة التراسل مرتين يومياً عبر البريد الإلكتروني. واثبتت التجربة أن التراسل عبر البحار والمحيطات جعل الابنة أقرب الى الأبوين أكثر منها حينما كانت تعيش معهما تحت سقف واحد! وكان الوالدان تعلما تكنولوجيا الانترنت قبل سفرها مباشرة، حتى صارا يرسلان إليها رسائل صوتية ومرئية. تستعيد رشا تجربتها الخاصة تكراراً:"جاء أنفع ما قدمته لنا تكنولوجيا الانترنت من لحظات، عندما استطاع والدايّ متابعة حفلة تخرجي بشهادة الدكتوراه في جامعة ميامي الاميركية بالوقت الفعلي مباشرة من منزلنا في حي الدقي عبر شبكة الانترنت، بعدما تعذر سفرهما إلى الولاياتالمتحدة الاميركية. واتصلا بي على هاتفي المحمول فور خروجي من القاعة فتبادلنا التهانئ والدموع، عجيب حقاً ما يمكن أن تفعله تلك التطبيقات التكنولوجية، تكتمل المفارقة حين نعلم أن رشا خريجة الإعلام في الجامعة الاميركية في القاهرة جعلت من استخدام الطلاب العرب في مصر للانترنت، موضوع رسالة الدكتوراه في الاعلام، التي نالتها في الولاياتالمتحدة الاميركية. وجمعت مادة علمية على مدى أربع سنوات حول موضوعها. وانطلقت من اسئلة بديهية من نوع السؤال عن الإمكانات التي يحملها الانترنت لمصر والعالم العربي، وما رؤية أولئك الطلاب للانترنت؟ وهل يرونها عامل تهديد للعرب أم فرصة لهم؟ وكم من الوقت يمضون أمام الكومبيوتر في استخدام الانترنت؟ سلبيات الانترنت: مجرد تهويل؟ تشير عبدالله الى انها على دراية ببعض التأثيرات أو الاستخدامات السلبية المحتملة للانترنت:" تعوّد كثير من الطلاب العرب الذين يدرسون في أميركا مثلاً على قضاء ساعات أمام الانترنت للدخول الى منتديات الحوار والدردشة، سواء مع الأصدقاء أو أفراد العائلة في مصر أو في دول أخرى. وقد يؤثر ذلك سلباً على عدد ساعات مذاكرتهم. وربما حرمهم من فرصة الانفتاح على الثقافة التي يعيشون فيها، او اعاقهم عن إقامة علاقات اجتماعية وقضاء المزيد من الوقت مع زملائهم سواء في اميركا أو في أي دولة أخرى، ومن ثم تفهم تلك الثقافات الأجنبية. وينتهي بهم الأمر إلى خسارة عنصر مهم جداً من عناصر سفرهم إلى أميركا. اذ لا يتعرضون للتعامل مع الاميركيين أو الأجانب، ومن ثم لا يطلعون على طريقة تفكيرهم أو وجهات نظرهم، بل يحصرون أنفسهم في صِلاتهم وعلاقاتهم ببلدهم الأصلي، في ما يعتقدون أنه يحميهم من الحاجة لوجود أصدقاء أجانب أو التعرض لثقافات أجنبية". وتشير كذلك إلى الجدل الذي يثار في الدول العربية منذ سنوات، حول ما قد تسببه الانترنت للشباب من الانجذاب نحو عالم آخر بعيداً من الحياة الاجتماعية والتعليمية والعائلية، وإمكان زيادة الإحساس بالوحدة، وربما الاكتئاب بين الشباب. وفي إطار رحلة بحثها الطويلة عن استخدامات الشباب العربي للانترنت في عدد من الدول العربية، وجدت عبدالله أن غالبية مستخدمي الانترنت في الكويت من الشباب، وهم كذلك أكثر الفئات تأثراً بالانترنت التي تعد بمثابة نافذة على العالم بالنسبة اليهم على رغم أنهم يرون أنها لا تتناسب والتقاليد الخاصة بثقافتهم. وترى الفتيات أن الانترنت وسيلة تثقيفية لهن عن الجنس الآخر، إذ يتمكنّ من التواصل معه بشكل آمن عندما يقتصر الأمر على التعامل من خلال شاشة الكومبيوتر. وفي دراسة أجرتها الباحثة الاميركية دبرا ويلر، حول استخدامات الانترنت في الكويت 1998، ورد ان اكثر صفات الشبكة الالكترونية جاذبية بالنسبة للشباب الكويتي يتمثل في إمكان تعدي خطوط الجنس. ويبدو انه أمر محكوم بتقاليد صارمة، خارج الإطار الالكتروني، في المجتمع الكويتي لا سيما بين الشباب الذين يذهبون اما لمدرسة شباب فقط أو شابات فقط. وتشير رشا عبدالله إلى دراسة مماثلة أجريت على الطالبات في الإمارات وتؤكد أن الانترنت لن تعيد صوغ الثقافة العربية على أساس التأثيرات الغربية. وفي سياق مماثل، أكدت الفتيات الإماراتيات اللاتي شاركن في استطلاع أجراه الباحث جي. بايكاوي في عام 2004 أنهن لسن ضحايا للعولمة، لكنهن مستهلكات واعيات للإعلام، وقادرات على تحديد أبعاد الثقافات المحلية والعالمية التي يمكنهن تقبلها والحفاظ عليها ومشاركتها. نتائج غير مألوفة ومن خلال استطلاع لاستخدامات الانترنت بين طلاب الجامعة الاميركية في القاهرة من عرب ومصريين، خرجت عبدالله باستنتاج مفاده ان الجامعة الاميركية من أكثر جامعات المنطقة اتصالاً بالانترنت:"مع النمو الهائل لاستخدام الانترنت في مصر 500 في المئة بين عامي 2002 و2004، يمثل مجتمع طلاب الجامعة العينة الديموغرافية المثالية لطلاب الجامعات المصريين والعرب الذين يستخدمون الشبكة. وفي نتيجة غير مألوفة، وجدت عبدالله أن متوسط إجمالي الساعات التي يمضيها الطلاب اسبوعياً على الانترنت هو 18.19 ساعة، منها 4.5 ساعة للبريد الالكتروني، و6.7 ساعة لتصفح الشبكة العنكبوتية، و4.8 ساعة للدردشة والرسائل الفورية، وثلاث ساعات للأنشطة الأخرى. وفوجئت بأن الطلاب إجمالاً قرروا أن اللغة العربية ليست شائعة الاستخدام بينهم. فأقر ثلثهم بأنهم لا يقرأون بالعربية على الانترنت تماماً، كما أقر الشباب والشابات بأنهم يستخدمون الكلمات العربية بحروف لاتينية. أما الدوافع الرئيسية لاستخدام الطلاب لشبكة الانترنت، فجاءت بالترتيب: الحصول على المعلومات، الترفيه، الاستخدام الشخصي. وجاء التفاعل الاجتماعي في ذيل القائمة. ولاحظت عبدالله أن النوع كان من العوامل المؤثرة في متوسط الوقت الذي يمضيه الطلاب أمام الشبكة العنكبوتية، إذ يقضي الذكور وقتاً أطول من الإناث، وإن كانت الإناث يمضين وقتاً أطول في استخدام البريد الالكتروني. ومن النتائج غير المتوقعة في دراسة عبدالله أن 70 في المئة من الطلاب قالوا إن استخدامهم للانترنت لم يؤثر على الوقت المخصص للأسرة والاصدقاء أو الذهاب إلى السينما والمسرح. وقال 60 في المئة إن الانترنت لم تؤثر على قراءة الجرائد والمجلات أو إجراء مكالمات هاتفية أو مشاهدة الأفلام. ويلفت ان ضحية الانترنت الاساسية كانت... التلفزيون! فقد اشار 45 في المئة من الطلاب الى أنهم أضحوا يشاهدون التلفزيون بمعدل أقل. وتورد عبدالله ان"طلب المعرفة والبحث عن المعلومات"احتل مكان الصدارة ضمن دوافع استخدام الطلاب العرب للانترنت، في حين جاء"التفاعل الاجتماعي"في ذيل القائمة. وتنبّه الى تناقض نتائج دراستها مع مجموعة من الدراسات المماثلة التي أجريت على طلاب ينتمون إلى شعوب غربية. وتعلق على ذلك بالقول:"ربما يرجع ذلك إلى الطبيعة الأكثر تحفظاً للثقافة العربية، مقارنة بالغربية فمقابلة الغرباء من خلال وسائل الإعلام ما زال من المفاهيم الجديدة في العالم العربي. دفاعاً عن الشبكة ودردشاتها وتدافع رشا عبدالله عن مواقع الدردشة ومنتديات الحوار على الانترنت:"ليست أماكن لمقابلة أفراد الجنس الآخر فقط حتى وإن أتاحت ذلك، فلا يجب أن يمثل هذا مصدراً كبيراً للإزعاج، وذلك في حال كانت الأسرة نفسها والمجتمع صحيحي البنية". وتذهب للقول:"ليس من المعقول أن تصادر دولة حرية أفرادها بحجة الخوف من أن تكلم فتاة شاباً على الانترنت في الوقت الذي يسعى فيه العالم المتطور إلى علاج الأمراض المزمنة وحل مشكلات البيئة، ووفرة المياه، وبحث إمكان الحياة على المريخ. وتتقدم في دفاعها ليشمل كذلك مواقع الدردشة والحوار العربية التي"تشتمل على أمور كثيرة من الاقتصاد إلى السياسة الى أفلام الكرتون إلى تكنولوجيا سفن الفضاء". وتضيف أن العرب"ما زالوا يعتبرون الدافع الاجتماعي عاملاً عابراً راهناً في استخدام الانترنت. ومع الاعتياد عليه سيدركون أهمية هذه الأداة في التعبير عن أنفسهم بحرية، وما توفره من إمكان إيجاد مجتمعات حقيقية على الانترنت يمكن أن تؤدي إلى مجتمع مدني أكثر ديموقراطية وأكثر فاعلية. ووضعت رشا عبدالله أطروحتها للدكتوراه في كتاب عنوانه"الانترنت في مصر والعالم العربي"، وقد صدر عن"دار آفاق"أخيراً.