من غرف الدردشة على موقع"ياهوو!"Yahoo! إلى"ارابيك شات"Arabic chat و"ايراكي شات"Iraqi chat، يتنقل الشباب العراقي راهناً، لممارسة شغفهم بالانترنت. يقضي معظمهم ساعات طويلة امام شاشات الكومبيوتر، متجاهلاً النصائح عن"ادمان الانترنت"، التي يؤكدها الاطباء والاختصاصيون النفسيون وعلماء الاجتماع. وفي كل يوم، يكتشف هؤلاء الشباب عالماً منوعاً وممتعاً حُرِم منه سنوات طوالاً. ويعبر كل عن مكنونات نفسه، بعيداً من الخجل او الخوف، مع الأصدقاء في مختلف دول العالم. ويشتد ميله الى الاخبار عما يحصل في بلده، كلما تزايد التدهور في الوضع الأمني، الأمر الذي يؤدي الى قمع هوايات اخرى طالما مارسها الشباب. السياسية أولاً... السياسة ثانياً... في غرف الدردشة يتحدث الشباب العراقيون عن كل شيء، مع الأخذ في الاعتبار نوع الغرفة التي يتحاورون فيها. ففي الغرف العراقية، تأتي الأخبار السياسية في أول القائمة ويتحول المتحاورون الى مراسلين صحافيين. ويخبر كلٌ عما يدور في منطقته او محافظته من احداث أمنية، اضافة الى المناوشات العرقية، ان صح التعبير، والآراء في الحرب والاحتلال والمقاومة والانتخابات والتكهنات بمستقبل العراق ونوع الحكم الأنسب له، ونقاشات عن الملكية والجمهورية والدستور العلماني والدولة الفيديرالية وما الى ذلك. ويستمر النقاش الى حين انقطاع التيار الكهربائي، كانه صافرة حكم مباراة كرة القدم ينهي المباراة بانتظار مباراة اخرى و"شات"آخر. وفي غرف"العرب شات"، تتحول الآراء العراقية الى نقاشات قومية، اذ يحلو للعراقيين في محور حديثهم مع أصدقائهم العرب، ربط بلدهم الذي يقع شرق الوطن العربي، بغربه وجنوبه وشماله. ويجعلون الحال التي يمر بها العراق راهناً مصيراً مشتركاً للعرب كلهم. اما في غرف الدردشة الأجنبية، فانهم يحاولون شرح موقفهم، وإقناع الآخرين بما فعلته بهم الحرب الأخيرة وسنوات الحصار التي عاشوها قبل ذلك. ويشددون على انهم الجيل الذي فقد متعة الحياة لحد الآن. ولا يجمع بين مستخدمي الانترنت في العراق محاور الحديث المشتركة فحسب، بل ويتقاسمون صفات متماثلة يصعب عدم ملاحظتها، الى درجة ان المستخدم يتأكد من الهوية العراقية لمحاوره بمجرد مرور عشر دقائق على الدردشة. والاغلب ان الجمهور الالكتروني عراقياً يتألف من شباب جامعي، يجيد الإنكليزية، ويسأل اولاً"من اي بلد انت؟"ويكمل، قبل ان تأتيه الإجابة عن سؤاله"انا من العراق". ويبدو الأمر وكأنه محاولة للتشديد على ان العراقيين باتوا خبراء في استخدام الشبكة الدولية للكومبيوتر، على رغم ان استخدامها لا يشمل سوى قسم قليل من السكان. نماذج متعددة والهم واحد بدري سمير كامل متخصص في الهندسة الكهربائية، ويبين حديثه الى"الحياة"انه يمضي في غرف الدردشة العراقية"نحو خمسة وثلاثين ساعة في الأسبوع". ويؤكد أن معظم الأحاديث تدور حول الوضع الامني وتاثيراته على هوايات الشباب، ودراساتهم، ويساهم في بطالتهم وعزوفهم عن الزواج. ويعترف سمير بأن الأحاديث لا تخلو من عدم الواقعية، وبأنه لايثق بمحاوريه على الاطلاق:"من يدري ماجنس المتحاور وجنسيته"؟ وفي المقابل، يؤكد ان الدردشة وسيلة سهلة لقضاء الوقت. وعلى عكسه، ترى مها سالم، الطالبة في كلية الفنون الجميلة، الدردشة في غرف الشات العربية بانها"وسيلة للتعرف الى اصدقاء والحديث معهم من دون حرج او خوف"، إضافة الى كونها"تختصر العالم كله امامي، وتجعلني على اطلاع بكل ما يجري حولي". ووجد كثير من العراقيين في الشبكة الالكترونية الدولية افضل وسيلة للتحدث مع اقرابهم المغتربين، وأقلها سعراً بين وسائل الاتصال الاخرى، اضافة الى توافرها في شكل دائم. وبدوروهم، هلل المغتربون فرحاً بدخول الانترنت العراق، لأنها مكنتهم من التواصل مع اقربائهم في الداخل. وتبيّن سلوى عزيز، وهي موظفة، انها تتحدث مع اختها التي تعيش في السويد"كل يوم... بعدما دخلت دورة تعليمية لبرامج الكومبيوتر. وأخبرها عن الاوضاع في العراق...غالباً ماتعبر عن صدمتها حينما تقارن بين كلامي وماتتناقله وسائل الاعلام". كما يحلو للبعض الدردشة في الغرف الأجنبية، والتعرف الى الشباب الغربي، والحديث عن الشرخ الذي يفصله مع الغرب في الدين واللغة والتقاليد، اضافة الى التشديد على ان العرب هم أهل الحضارة والتاريخ. وكثيراً ما يأتي الرد من الطرف الآخر على هيئة تذكير بأن أهل الغرب هم أصحاب العلوم والتكنولوجيا الحديثون. ويذكر المبرمج باسل نجم ان دخوله غرف الدردشة الأجنبية عزز قدرته على الحديث باللغة الانكليزية. ويشير الى ان الحديث مع الأجنبي غالباً ما يجره الى المواضيع السياسية الساخنة.