على المعبر هل سلك ج م كوتسي طريقاً مختلفة مذ قصد شمساً جنوبية أخرى؟ الكاتب الجنوب افريقي يعيش في استراليا منذ أعوام ويترك واقعيته الندية ليحاضر في حقوق الحيوان إليزابث كوستيلو أو يكتب نصاً يتداخل فيه الواقع وما بعد الحداثة في روايته الأخيرة"رجل بطيء"الصادرة عن دار سيكر اند ووربرغ. البطل ستيني يهوى ركوب الدراجة في أديلاييد، استراليا، مثل كوتسي لكن مراهقاً يصدمه بسيارته يوماً ويغير حياته."ينزلق متراً بعد متر، أكثر فأكثر، الى أن يسكن تماماً. ينطرح متمدداً بسلام. انه صباح بديع". عندما يستعيد وعيه يكتشف بذعر ان رجله قطعت فوق الركبة. يسمي ما تبقى من رجله"جامبون"لشبهها بهذا النوع من اللحم، ويعتقد بأنه سيموت لقلة اكتراثه بالمستقبل. عمل البطل بول ريمان مصوراً وافتخر انه لم يؤذ أحداً وان كان لم يفعل خيراً. يشفق بعد الحادث على نفسه لأنه لن يترك شيئاً سوى نسخ من صور قديمة عن استراليا في ثمانينات القرن التاسع عشر."ما هو أسوأ من الموت من دون أولاد وقطع الذرية؟ إلغاء نفسك من فعل جيلك الكبير؟ هذا أسوأ من البخل. انه في الواقع غير طبيعي". يتناول كوتسي هشاشة العمر والخوف من الصدفة، لكن وقوع بطله في حب ممرضته المتزوجة الكرواتية يأتيه بهدف جديد في حياته. يريد ان يعتني بها كما تعتني به وينقذ اسرتها من الفقر. جسده يحرجه باعتماده عليها وانكشافه لها برغباته ووظائفه، لكنه يجد شيئاً من الهناءة التي تختفي فجأة مع ظهور... إليزابث كوستيلو. هذه"الروائية"الاسترالية الشهيرة ألقت في الرواية السابقة لكوتسي، والتي تحمل اسمها، محاضرات أخذت حرفياً من كلمات للمؤلف ألقاها في المناسبات القليلة التي قبل التحدث فيها. أتت لأن المصور المبتور الساق بطل في روايتها وعليه التصرف في شكل درامي لكي تستطيع الكتابة. يرفض ان يكون دميتها وصنيعتها فتتركه، ولعل كثيرين من القراء يأملون في ان يكون رحيلها بلا رجعة. في نهاية"إليزابث كوستيلو"تتخيل البطلة كلباً عجوزاً شوهته الندوب ممدداً على باب ما بعد الحياة. هل بول ريمان هو هذا الكلب الذي يتمدد بين الحياة والموت بجسده المشوه وپ"عاطفته غير الملائمة"؟ استاذ الجامعة في"العار"يساعد جمعية للرفق بالحيوان على انقاذ الكلاب المسنة بموت رحيم، وبطل"رجل بطيء"يجد خلاصه من وحشة النهاية في امرأة أجنبية وفية نفر أول الأمر من بلادتها. استعمل كوتسي ما بعد الحداثة في"خصم"التي أعاد فيها كتابة"روبنسون كروزو"على طريقته بتبني شخصية ثالثة تدعى سوزان بارتون تنضم الى كروزو ومان فرايدي. كوستيلو التي تظهر بعد الثلث الأول من"رجل بطيء"تشكل اضافة غير مرغوب فيها لدى نقاد وقراء كثر. كوتسي يستكشف بعمق خبرة رجل فقد السيطرة على جسده، وكان عليه ان يتعلم قبول نصيبه في الحياة، قبل ان تظهر كوستيلو التي تعبر الخيط الرفيع بين الحياة والفن."اذا تبين ان الموت ليس إلا حيلة فليكن حيلة بالكلمات"يقول كوتسي. واذا كان العمل الفني وهماً فلنقل ذلك، تضيف، لكن هل هذا ما نريده حقاً؟ وداع قبل الأوان قبل ثماني سنوات أصيب آلان بينيت بسرطان القولون، وقرر الاطباء انه سيعيش نحو سنة. كان على الكاتب المسرحي البريطاني أ، يواجه الموت بكتاب يقرأ بعده. استرجع انتحار جده، جنون والدته، موت والده، وحياءه الذي شلّه عاطفياً."حكايات غير مروية"عن دار فابر ذات نفس وداعي من دون تهافت عاطفي. ينظر بينيت الى أنوار الليل وحيطان المباني المسودة في ليدز كأنه يراها للمرة الأخيرة. يراقب الحياة حوله بفضول حزين، ويود ان يبقى الجميل والطيب من بريطانيا القديمة لكنه يعرف انهما يرحلان. يعترف انه عمره ما شعر بالانتماء، وتبدو خسارة الخصوصية والمحرمات في المستشفى بلا أهمية فجأة. لا يسقط شعره من العلاج الكيماوي فينزعج الممثل ألك غينيس بوضوح. لا عذر لدينا في عدم تسلية رفاقنا البشر أو تحمل ملامح كثيرة من بريطانيا المعاصرة بما فيها تعليم الصغار. يسترجع بينيت براءة والديه اللذين اعتقدا ان رشفة الخمر الضئيلة بعد الاعتراف في الكنيسة تصيبهما بالسكر فامتنعا عن الذهاب اليها في السيارة. ورث حياء ضارياً من أمه التي تجنبت كل ما يلفت النظر في الملابس والأثاث لكي لا تبدو"عامية". أصيبت باكتئاب فزارها زوجها يومياً وتوفي بنوبة قلبية يعزوها آلان الى الرحلة التي امتدت خمسين ميلاً. عاشت واحداً وعشرين عاماً بعده، لكنها ماتت وهي لا تزال ملبدة العقل والروح. يمزج المضحك والمؤلم لدى تناوله العلاج ويبقى حيادياً. مهما كانت التجربة سيئة ورهيبة للناس تبقى مفيدة للكاتب الباحث دائماً عن جديد يعيشه ويقوله. الفلسفة القاتلة يروي أ. سي. غريلنغ في"حياة رينه ديكارت ومكانها في زمنه"الصادر أخيراً ان صديقاً للفيلسوف الفرنسي زاره قبيل الظهر يوماً ووجده يحدق في السقف وهو لا يزال في السرير."مريض؟"سأل الصديق بقلق، فرد ديكارت:"لا. انني أعمل". لم يكن جواباً فرنسياً فقط بل ديكارتياً أيضاً. شك في وجوده لكن تفكيره برهنه وصاغ أحد أشهر العبارات الفلسفية:"أنا أفكر، إذاً أنا موجود". لا يزال الفرنسيون"يعملون"فلاسفة حتى اليوم، ويحق لهم القول انهم يعملون وهم يحدقون في السقف كديكارت، وحتى وهم نائمون لأن الحلم نشاط عقلي يعترف العلم به. برز ديكارت في الرياضيات والهندسة والتشريح، وكان كاثوليكياً راسخاً على رغم عقلانيته. يقول غريلينغ انه كان جاسوساً يسوعياً في شبابه، وربما كان لذلك علاقة بسفره المفاجئ الى هولندا في 1628 عندما كان في الثانية والثلاثين. أنجب هناك طفلة من خادمة تدعى هيلينا يانز وأعالهما، لكن فرانسين توفيت وهي في الخامسة وحطمت قلب والدها."لست من الفلاسفة الذين يعتقدون ان على الرجال ألا يبكوا". صديق له قال ان مشاركة هيلينا الفراش كانت المرة الوحيدة التي سلك فيها ديكارت"خلافاً لشرف التبتل". كاتب السيرة يجد ذلك"غير محتمل بشرياً"لكن نيوتن وكانط توفيا عذراوين أيضاً. حض ديكارت على رفض المعرفة بالتقليد والكشف: اختبر، افحص، إسأل، ولا تؤمن بشيء إلا بعد البرهنة على صدقه. في أوائل عقده الخامس دعته ملكة السويد الذكية كريستينا الى بلاطها البارد. وقف بسرواله القصير وجوربيه يعلمها الفلسفة منذ الخامسة فجراً ومرض بعد اسبوعين. أصيب بالتهاب الرئتين وتوفي بعد اسبوعين آخرين. نجاح انظر الى وجهه تر رجلاً عذب الملامح، طري القسمات. وانظر الى لوحاته تر العنف والجنس اللذين تذكّر بشاعتهما بأفلام اليوم. ناشينال غاليري في لندن تقدم فرصة فريدة لمشاهدة أكثر من مئة عمل لبيتر بول روبنز 1577 - 1740 رسمها بنفسه قبل أن تحوله شهرته مصنعاً ينتج فيه معاونوه اللوحات كأنها نسخ مطبوعة. يستمر المعرض حتى الخامس عشر من كانون الثاني يناير 2006 ويبرز قدرة روبنز على التعلم من مايكل انجلو وتيتيان وكارافاجيو في الوقت الذي ارتجل واختبر وبحث دائماً عن وسائل جديدة لإحياء أعماله. تميز ولم ينتم الى جماعة محددة أو يلتزم صيغة بعينها، ولئن خشن المحتوى وأثار حساسيات عصرنا غطى رسالته الناتئة بضربة ريشته الناعمة النيّرة الحسية. أتى من أسرة ميسورة في الفلاندر بلجيكاوهولندا وفرنسا وطمح منذ طفولته الى التمكن من رسم المعارك. كان دمثاً، عقلانياً فعين سفيراً للملوك والأمراء والكرادلة، أمر مكنه من العمل جاسوساً لأسرة هابسبورغ. سافر الى ايطاليا حيث أرسل عينيه في تحفها وحفظ في قلبه المهارات المرغوبة. عاد الى انتويرب في 1608 وهيأت له شهرته مكانة وأعمالاً فاضت عن قدرته فاستعان بحاشية من التلامذة لتلبية الطلب. ساد العري المجاني الرخيص أعماله الحافلة بالعنف ضد النساء والأطفال، فأثار اشمئزاز الشاعرين اللورد بايرن ووليم بليك. من السذاجة السؤال عن مصدر العنف في بيئته المرتاحة لأن هذه لا تنفيه. تمتزج في أعماله حيوية العنف الصارخ وحسية الجلد الألق والأقمشة المتموجة اللامعة. لم يحتج الى سبب لخلع ملابس النساء، وأحبهن بدينات تفلت صدورهن من تحت ثيابهن بسبب ومن دونه. نراها بكثرة في"مذبحة الأبرياء"التي تصور رجال هيرودس يفتكون بالأطفال ليخلصوه من المسيح الطفل بينهم. لا يتعلق الأمر بكمية العنف وحده بل بنوعيته أيضاً. كم من فنان يستطيع ان يرسم رجلاً يرفع طفلاً ليضرب رأسه بعمود رخام؟ روبنز فعل وكان أنجح الفنانين وأكثرهم ثراء وهو حي.