من الطبيعي ان تقلق واشنطن من حصول انتخابات في العراق، وقلقها مختلف عن القلق عند بعض القادة العراقيين الموجودين في مجلس الحكم، والذين يعارضون الانتخابات، ودعوة المرجع الشيعي آية الله السيد علي السيستاني لإجرائها. فالادارة الاميركية تخشى من ان تؤثر صندوقة الاقتراع العراقية على صندوقة الاقتراع الأميركية، التي انطلقت حملة التمهيد لها في الأيام الماضية. فما تريد واشنطن ان تتجنبه ليس فقط قيام سلطة منتخبة تعجل في انسحاب قواتها، بل هي لا تريد ان ترى قوى اسلامية معينة تصل الى سدة السلطة في بغداد، سواء من السنة أم من الشيعة، بقوة الاصوات الشعبية. فعملية الاقتراع الشعبي ستقلّل من دور الحراب ومعها الاسلحة الذكية وفاعليتها التي لا تقهر، في تحديد مستقبل العراق، وفي اعتماده منصة وثب لتغيير المنطقة العربية برمتها ثقافياً ودينياً وسياسياً. وهي بالتالي ستقصّر عمر الاحتلال، اذا كانت ستعجل في تفعيل مؤسسات الدولة العراقية وستعيد لمحيط العراق، العلاقات الطبيعية معه، التي ستتحكم بها المصالح الاقليمية التي تفرضها الجغرافية السياسية فتطغى على هذه الدول صفة الجوار الحسن بدل صفة العضوية في "محور الشر" أو صفة "دعم الارهاب" أو صفة الدول "الآتي دورها"، من "الجار" الأميركي الجبار... ان تعجيل العملية الانتخابية في العراق سيعزز رأي منافسي الرئيس جورج بوش في الانتخابات الرئاسية الأميركية: ماذا نبقى نفعل هناك؟ وسيقوى منطق هؤلاء أمام الناخب الأميركي الذي يريد وقف النزف الذي تسببه فاتورة الحرب، في الاقتصاد الأميركي... وسيتسبب بقطع باب الأرباح المرتفعة والسريعة على شركات ضخمة تحصل على العقود بأعلى الأثمان مثل هاليبورتون وغيرها من الشركات التي تدعم مالياً حملة بوش. وسيسهل على الديموقراطيين، اذا تبين ان الاسلاميين في العراق حصدوا نسبة من الأصوات، ان يواجهوا بوش بفشل ادارة المحافظين الجدد ونظرية الضربة الاستباقية في خلق عالم جديد في الشرق الأوسط. حصلت الانتخابات قبل بداية الصيف، مع بدء تنفيذ اتفاق مجلس الحكم مع الحاكم الأميركي بول بريمر على انتقال السلطة، أم جرى الانتقال من دون انتخابات فإن الأشهر الأربعة التي ستفصل أحداث المشهد العراقي عن عمليات الاقتراع في أميركا في تشرين الثاني نوفمبر لا بد من أن تلقي بثقلها على بوش وتدفعه الى قرارات صعبة تتناول مدى الانسحاب أو البقاء، واحتساب أثر كل قرار على وضعه الانتخابي. لم يكن الاستنتاج القائل ان دعوة السيستاني الى الانتخابات أحرجت بوش وفريقه، مجرد تبسيط. لقد اربكت الرجال المحيطين به في واشنطن. وإذا كان السؤال الذي يشغل الكثيرين الآن هو: هل ان السيستاني بطرحه الانتخابات يريد تثبيت أرجحية الشيعة في السلطة، ام انه يتدرج، عبر هذا الموقف صعوداً في التمهيد لانهاء الاحتلال برفض أي سلطة تنشأ عنه؟ اذا كان الجواب الاثنين معاً، فإن الإرباك سيكون جدياً أكثر.