استفاد المجلس النيابي اللبناني من أجواء التهدئة السياسية بين الرئاسات، فتحولت الجلسة النيابية العامة في يومها الثاني أمس الى جلسة منتجة تشريعياً، بعدما كان التجاذب قبل التفاهم الرئاسي ينعكس على مواقف الكتل النيابية. وقالت مصادر نيابية ل"الحياة" ان تبريد المناخات سمح بأجواء جدية في العمل التشريعي، حررت المجلس النيابي من الخشية من تناول قضايا تبدو وكأنها ملتهبة وموضع خلاف. استأنف المجلس النيابي جلسته التي ستمتد حتى اليوم، بمناقشة عدد من المشاريع واقتراحات القوانين المتبقية على جدول الأعمال فأقر تمديد العمل بالإعفاء من المعاينة الميكانيكية حتى آخر العام الجاري وأربعة مشاريع واقتراحات قوانين اخرى أبرزها ابرام اتفاق تجاري واقتصادي بين لبنان والمملكة العربية السعودية موقّع عام 1971 والاقتراح المتعلق بإنشاء محافظتين جديدتين في لبنان، محافظة عكار ومركزها حلبا ومحافظة بعلبك - الهرمل ومركزها بعلبك. ولدى طرح اقتراح القانون الرامي الى تنظيم مصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة وسواها لمصلحة الجيش تمنى الرئيس حسين الحسيني على الرئيس بري طرح اقتراح القانون الرامي الى انشاء محافظتين جديدتين بداعي ارتباطه باجتماع خارج البرلمان وليتسنى له ابداء رأيه في الاقتراح، فلبى بري طلبه وأدلى الحسيني بمداخلة مطولة لفت فيها الى أنه وفي صلب مرتكزات الوفاق الوطني أربع مسائل هي: قانون الانتخاب ووحدة التمثيل السياسي والسلطة القضائية وسلطة التنمية الشاملة واللامركزية الإدارية، مذكراً بأنه عام 1992 كان يفترض أن تبدأ ورشة شاملة لكل هذه المؤسسات وتشكلت لجنة برئاسة نائب رئيس الحكومة آنذاك ميشال المر لكن عام 1993 توقف الموضوع. وأعقبت ذلك اقتراحات قوانين بإنشاء أقضية في مناطق عدة فكانت الحجة عند الحكومة أن ليس في إمكانها درس اقتراحات كهذه من دون لامركزية ادارية الى أن فوجئنا أخيراً بطرح إنشاء محافظتين. وقال: "إذا كان القصد تعزيز وجود الدولة في الأقضية، فهناك مراسيم لا تحتاج الى قوانين، والسير في هذا المشروع يعني أن نعمل على إيجاد خلل في المناطق". وسأل: "لماذا نستبق الأمور بإنشاء محافظة وقد لا نكون في حاجة إليها؟"، متنمياً الموافقة على إعادة الاقتراح الى اللجان لدرسه وتقديم مشروع متكامل. وغادر الجلسة قبل التصويت عليه. وأيده في ذلك النائب نسيب لحود الذي أشار الى أن اتفاق الطائف أكد وجود ارتباط عضوي بين قانون الانتخاب والمحافظة، فتدخل بري موضحاً ان الموضوع لا علاقة له في الشأن الانتخابي، لكن لحود عاد وأكد ان البند بحسب الطائف ينص على أن تجرى الانتخابات وفقاً لقانون الانتخاب على أساس المحافظة بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري. واعتبر النائب عمار الموسوي ان الهدف من إنشاء المحافظة انمائي وإداري فقط، إذ ان المواطن يتكبد معاناة كبيرة خلال تنقله مسافات بعيدة من أجل تسيير أموره في دوائر الدولة الرسمية "وهذا هو همنا وليس التقسيمات الإدارية". ولاحظ النائب جهاد الصمد ان الأمور تسلق سلقاً داعياً الى إعادة الاقتراح الى اللجان ومتمنياً أن يكون المشروع شاملاً وعبر اللامركزية الإدارية. ورأى النائب علي بزي ان الموضوع لا علاقة له بالتقسيمات الإدارية ولا بخلفيات سياسية آملاً أن تعم اللامركزية الإدارية كل لبنان. ولاحظ النائب مخايل الضاهر ان المشروع يهدف الى التخفيف من الحرمان، مشيراً الى أن عكار تضم 240 مدينة وبلدة وقرية ومن غير الجائز ان يقطع أهلها مسافات كبيرة لإجراء معاملاتهم الإدارية فالمشروع انمائي اداري لا أكثر ولا أقل. وسأل النائب محسن دلول: "هل هذا الاقتراح له علاقة بالانتخابات؟". فأجابه بري: "لا". فقال: "علينا إذاً الموافقة على الاقتراح لأن المسألة متعلقة بمعاناة الناس إذ ان المواطن يقطع مسافة 90 كلم من بعلبك الى زحلة لإجراء معاملة إدارية"، داعياً الى الموافقة على المشروع من أجل التحسين الإداري ووضع حد لمعاناة الناس. وحمّل النائب فارس سعيد مسؤولية التقاعس في هذا الشأن الى الحكومات المتعاقبة، ورأى ان الحل هو باللامركزية الإدارية. وأيد النائب نعمة الله أبي نصر الاقتراح، داعياً الى "أن يشمل منطقة كسروان - جبيل - العاقورة، علماً أن الانماء المتوازن لا يتحقق إلا باللامركزية الإدارية". وقال النائب بطرس حرب: "صحيح ان انشاء المحافظات فيه مصلحة انمائية ادارية لكن في المستقبل تصبح انتخابية". ودعا وزارة الداخلية اذا كان لديها مشروع جاهز للامركزية الادارية الى عرضه على المجلس النيابي لمناقشته وهذا المشروع يفي بالغرض. ولاحظ بري ان من خلال المداخلات يتبين ان ليس من بديل من اللامركزية الادارية لكن لا علاقة لهذا التقسيم بالمحافظات التي نص عليها الدستور وتجرى على أساسها الانتخابات، إذ ثمة التباس في اسم المحافظة في هذا الشأن وقد توضح الأمر. وأعلن وزير الداخلية الياس المر أنه "مع إقرار مشاريع البلديات واللامركزية دفعة واحدة، لكن مسألة إنشاء هاتين المحافظتين مرتبطة بمعاناة الناس". وأحيل الاقتراح على التصويت فصدق بالغالبية. ورفع الرئيس بري الجلسة الى قبل ظهر اليوم لإقرار ما تبقى من مشاريع، اضافة الى نحو سبعة اقتراحات قوانين ادرجت من خارج جدول الأعمال. وفور انتهاء الجلسة عقد نواب "حزب الله" ومنطقة بعلبك - الهرمل مؤتمراً صحافياً شكروا فيه رؤساء الجمهورية إميل لحود وبري والحكومة رفيق الحريري والنواب على مساندتهم لهذا المطلب الإنمائي الإداري "الذي ينسجم مع روح الطائف والعيش المشترك والوحدة الوطنية". ولاحقاً وجه الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله شكراً مماثلاً. وباستحداث المحافظتين يرتفع عدد المحافظاتاللبنانية الى ثمان.