لا يعني الهدوء الذي اخذ يسيطر على جلسات مجلس الوزراء ان الأمور تسير في شكل طبيعي، بمقدار ما يؤشر الى ان الظروف الضاغطة على المنطقة ومن خلالها لبنان تستدعي المزيد من التهدئة في انتظار نتيجة ما يتردد عن عزم اللجنة الرباعية الدولية، وفور تطبيق "خريطة الطريق"، على إعادة تحريك المسارين اللبناني والسوري، ما يفسر تجنب اركان الدولة العودة الى المناكفات او الدخول في صدام سياسي يمكن ان يرتب انزعاجاً سورياً في ظل تفرغ دمشق لمواكبة ما يدور من حولها على الجبهتين الفلسطينية - الإسرائيلية، والعراقية. يتصرف رئيسا الجمهورية والحكومة اميل لحود ورفيق الحريري انطلاقاً من رغبة كل منهما، بعدم تحمل مسؤولية العودة بجلسات مجلس الوزراء الى نقطة التوتر، عبر السعي الى إظهار رغبتهما الجادة في إضفاء طابع من الجدية على الجلسات من جهة وفي فسح المجال امام الوزراء للعب دور فاعل على رغم ان ذلك الدور لا يزال في طور تبلور الملامح تمهيداً لإشاعة جو من المناخ الطبيعي الذي يتيح لهم التصدي للمشكلات التي تعتبر عالقة وفي مقدمها الإفراج ولو في شكل متأخر عن التشكيلات الديبلوماسية. ويتريث هؤلاء في الدخول في صلب المواضيع التي تعتبر اساسية لتحريك ما التزمت به الحكومة امام مؤتمر "باريس -2" لتحقيق الإصلاح المالي. ويرى عدد من الوزراء ممن يبدون ارتياحهم للانفراج الحاصل في علاقة لحود بالحريري، ان مجلس الوزراء لن يكون منتجاً من دون تسريع ما تعهدت به الحكومة في باريس -2 كأساس للتغلب على خدمة الدين العام وخفض العجز في الموازنة مؤكدين ان المعيار الوحيد للارتياح الى تعاونهما يكمن في ترجمة تعهدات الى خطوات ملموسة خوفاً من تفويت الفرصة التي وفرها لها المؤتمر. وعلى خط مواز، يحاول رئيس المجلس النيابي نبيه بري ان يتجاوز رغبتي لحود والحريري في عدم توليد اجواء جديدة من التوتر والحفاظ على الاستقرار السياسي ولو من باب تكريس هدنة للضرورات الإقليمية والدولية، الى إطلاق إشارات اكثر فاعلية من خلال قوله ان مجلس الوزراء بدأ يقلع وأنه بات على جدول اعمال الحكومة مواضيع دسمة في اشارة الى صدور التشكيلات الديبلوماسية عن الجلسة المقررة الخميس المقبل. لكن بري الذي يأمل خيراً من الجلسات المقبلة لمجلس الوزراء، يحاول جاهداً الحفاظ على التهدئة وعدم خرق السقف السياسي المرسوم لتكريس الهدنة الرئاسية، وهو سيتصرف على هذا الأساس في إدارته للجلسة التشريعية النيابية التي تبدأ اليوم ويمكن ان تستمر الى بعد غد الأربعاء، وبالتالي لن يقف حجر عثرة امام التريث في حسم الموقف النيابي من اقتراح القانون المدرج على جدول اعمالها والرامي الى استحداث محافظتين في عكار وبعلبك - الهرمل... في حال تبين له ان الأكثرية النيابية تميل الى تأجيله بحجة ان منطق الأمور يأخذ بوجهة النظر القائلة بأن يأتي بحثه في اطار مناقشة التقسيمات الإدارية الجديدة المقترحة في قانون اللامركزية الإدارية، وأن لا داعي للعجلة في الوقت الحاضر. وفي المواقف دعا نائب رئيس الحكومة عصام فارس الى "ترجمة الأقوال بالأفعال والوعود بالتنفيذ، لأن الشعب يفقد الثقة والصدقية بالدولة إذا لم ترتق الى مستوى طموحاته وآماله"، وأكد ان مشاركته في جلسات مجلس الوزراء "مرهونة بتغيير النهج السائد". وقال فارس خلال استقباله في دارته في بينو - عكار عدداً من الشخصيات والوفود: "انه لمن المؤسف اننا ما زلنا نتعاطى مع الملفات الشائكة بالذهنية نفسها وبالأسلوب نفسه اللذين أوصلانا الى الحال التي نحن فيها". وأضاف: "إننا ما زلنا نعالج امراضنا الخطرة بالمسكنات والمهدئات ونتصدى للمشكلات الكبيرة بالحلول التي لا تتناسب مع حجمها. فالبطالة الى ازدياد، والهجرة لم تتوقف، والدورة الاقتصادية في جمود، وشبابنا في ضياع، ووضع الإدارة المتردي يراوح مكانه، والخطاب الطائفي يتقدم على الخطاب الوطني، وكل ذلك في الوقت الذي تتمخض فيه المنطقة بمتغيرات مصيرية ومجريات خطرة قد تقودنا الى حيث لا نشتهي ونرغب". مشيراً الى ان "الشعب يشعر بالقنوط واليأس والتشاؤم، ويتوق الى تغيير في الممارسات والأداء". وأكد وزير الطاقة والمياه ايوب حميد "ضرورة الابتعاد عن الحساسيات والمناكفات وتأكيد الثقة بالمؤسسات والوطن". وقال: "صحيح اننا مررنا في مرحلة كان فيها الكثير من التأزم والضياع احياناً وصل الى حد الانقطاع والابتعاد عن المصلحة العامة، لكننا الآن نلمس احساساً بالمسؤولية لأن الاحتكام الى الدستور والقانون هو الإيجابية التي تحرك عجلة الأمور وتبعدنا عن المراوحة والانقسام". وأكد وزير الزراعة علي حسن خليل ان "الوضع السياسي يسير نحو الأفضل داخل مجلس الوزراء"، مشيراً الى "طي صفحة الاستحقاق الرئاسي". وقال: "بدأنا نرسي قواعد جديدة، هي ألا نخاف من الملفات التي يجب ان تطرح كلها على الطاولة اياً تكن شائكة وصعبة، والمهم ان نعطي رأينا في هذه الملفات بمعزل عن خلفياتنا السياسية وبمعزل عن تقسيم مجلس الوزراء الى متاريس وجبهات". وأضاف "في اللحظة التي تحررنا فيها من هذه العقدة استطعنا ان نناقش بموضوعية ونصل الى نتائج ونأخذ قرارات". وأوضح "اننا كوزراء حركة "امل" ارسينا سقفاً لعلاقتنا مع كل الأطراف، وهو اننا لن يكون لنا موقف مسبق مع احد على الإطلاق". الى ذلك، وعلى رغم العطلة الأسبوعية التقى رئيس الجمهورية اميل لحود النائب علي الخليل الذي قال: "إنه لمس من رئيس الجمهورية حرصه على تفعيل العمل الديبلوماسي اللبناني في الخارج لا سيما في دول القرار والمحافل الدولية والإقليمية. وأشار النائب غازي زعيتر الى ان "رئيس الجمهورية يولي حاجات البقاع عناية كبيرة وأنه يواصل العمل لتنفيذ المشاريع الإنمائية والاجتماعية والتربوية انطلاقاً من حرصه على تطبيق مبدأ الإنماء المتوازن".