الى السلاح يستمر عرض "موت فوضوي بالصدفة" على مسرح دونمار ويرهاوس في لندن منذ الشهر الماضي حتى التاسع عشر من نيسان ابريل المقبل. لكن بقاء أشهر أعمال داريو فو حتى الآن لا يفرح قلبه. لا تزال المسرحية تخاطبنا "لأننا نراوح مكاننا لسوء الحظ". كتبها في 1970 بعد انفجار في ميلانو قتل ستة عشر شخصاً و"سقوط" أحد المعتقلين اليساريين من الطبقة الرابعة في مقر الشرطة. لكن العامل في السكة الحديد لم يكن ضحية مجانية إذ تحول الى ضمير في ايطاليا وخارجها. لا حدود لشك فو في السلطة التي يتهمها بزرع القنابل لانتهاك الحريات واسكات المعارضين بالقتل وغيره. عندما منح جائزة نوبل للأدب في 1997 قالت الأكاديمية السويدية انه "فتح أعيننا على الإساءات والظلم في المجتمع على غرار مهرج البلاط في القرون الوسطى" الذي يستفيد من الاعتقاد الزائف بحمقه ليفضح ويتهم. في السادسة والسبعين لا يزال فو يحمل رمحه ويسخر من الحمقى الحقيقيين. ايطاليا تغض النظر عن جمع رئيس وزرائها وظيفتين متناقضتين بين السياسة والإعلام، لكن فو جعله هدفاً لهجائه المر. بلاده فقدت القدرة على الغضب، يقول، وبات الجميع حمقى اليوم خلافاً لإيمان أهل نابولي بأن "لا أحد أحمق هنا". يكتب، ينتج، يرسم، يمثل، يصمم الملابس والديكور ويواجه الرقابة والاعتقال والتهديد في وطنه وخارجه. أثناء عرض مسرحيته "مستيرو بوفو" في الأرجنتين في الثمانينات رمى شاب قنبلة مسيلة للدموع على المسرح، وحطم الفاشيون نوافذ المسرح بالحجارة، وتجمع مواطنون كاثوليك في ردهة المسرح للصلاة. لا علاقة للفاتيكان بحرب فو على جماعة من رجال الدين لكن البابا أقحم في لائحة الاتهام ضده. في السبعينات اختطفت زوجته وزميلته فرانكا رامي نهاراً وشوهت بالشفرات واغتصبها خمسة من الفاشيين الجدد. تبين بعد سنوات ان ضباطاً كباراً في الشرطة أمروا بخطفها لعل الإذلال والخوف يسكتان الثنائي اليساري. كتب خمسة وسبعين عملاً لكن النقاد الايطاليين صعقوا عندما منح نوبل الآداب. "أين أدبه؟" قال أحدهم، و"ربما كنت أكبر سناً من أن أفهم" ذكر آخر. ربما شاءت الأكاديمية تكريم مسيرة الرجل الذي لا يمكن فصله عن عمله، لكن هذا ليس التفسير المفضل عند فو. "موت فوضوي بالصدفة" و"لا نستطيع أن ندفع، لا نريد أن ندفع" عرضتا ثلاث سنوات في لندن آخر الستينات. وهو فخور لأن عنوان المسرحية الثانية اتخذ شعاراً للمتظاهرين ضد ضريبة الرأس التي فرضتها مارغريت ثاتشر. الفن التزام عنده، ولئن أمل كثيرون في أن يرفض نوبل لكي لا يصبح من المؤسسة احتفل مع الصحافيين الذين أنبأوه بفوزه بشرب الشمبانيا وأنشأ مؤسسة للمعوقين بقيمة الجائزة. في آخر السبعينات ترجمت أعماله أكثر من أي كاتب ايطالي آخر، ونشرت في خمسين بلداً فاشترى نحو أربعة آلاف كيلومتر مربع لينقذ أشجارها من القطع، وأسس "جامعة الكتراز المفتوحة" التي التقى فيها الفنانون والمثقفون. ضد كل ما يظلم لمصلحة الساسة والصناعيين من العولمة والتمييز العنصري الى رفع مستوى السرعة لبيع السيارات السريعة. انضم والداه الى المقاومة في الحرب العالمية الثانية، وساعد والده العلماء اليهود والأسرى البريطانيين على الهرب بالقطار الى سويسرا. قرأ الفكر الشيوعي والأدب الأميركي في طفولته، وأصغى الى حكايات الصيادين وصانعي الزجاج وجدّه الذي باع محصول أرضه على عربة خيل. وقع في حب فرانكا عندما رأى صورتها، وعندما التقاها قرر أن التجاهل أفضل استراتيجية للفوز بها. سئمت بعد أسبوعين. سمّرته على الحائط في كواليس المسرح وقبلته فعقدا خطبتهما. في منتصف التسعينات أصيب بسكتة أفقدته معظم قدرة البصر لكن رؤياه لم تتأثر عندما عاد الى سلاحه. كل ذلك الحب تقاوم بلدة نوهان في وسط فرنسا حملة تهدف الى نقل رفات جورج صاند الى البانتيون في باريس. الممثلتان جولييت بينوش وكلوديا كاردينالي تنشطان في الدعوة الى مساواة الكاتبة بزملائها في الموت كما ساوتهم في الحياة. لكن أهل البلدة يستنكرون "سرقة وتدنيس" رفاتها "ضد ارادتها" ويفكرون قليلاً بالدخل الذي يأتيهم من خمسة وثلاثين ألف سائح يزورون نوهان سنوياً. عاشت أورور دوبان كما أرادت فسبقت النسويات من دون سابق تصور وتصميم على أن تكون نسوية بالمعنى "الحزبي" إذ فضلت الجانب العملي على المبادئ. ولدت طفلة غير شرعية لأب ارستقراطي غمرها بالحب وأم عاهرة حرمتها الحنان طوال حياتها. ربتها جدتها الكونتيسة دو هورن التي كانت أيضاً ابنة لعاهرة. ونسخت أورور سلوك والدتها في موقفها من ابنتها فنبذتها في الوقت الذي عبدت ابنها، وتحولت الابنة عاهرة بخيارها. أغرمت جدة أورور بفولتير ومنحتها تعليماً رفيعاً في دير كاثوليكي انكليزي في باريس كان اسم صديقتها المفضلة فيه بوي. وبّخت الجدة وريثتها على نظرتها البلهاء وعلمتها كيف تمسك المسدس وتلوح بالسيف وتكره أمها. توفي والدها وهي في الرابعة فأنزلها معلمها الى حفرة التابوت لتفتح غطاءه وتقبل رأسه. زواجها في الثامنة عشرة من الضابط المتعاقد لم يمنع اتخاذها عشاقاً اختارتهم أصغر منها لتسيطر وتكون أماً. في السادسة والأربعين كان عشيقها أصغر منها بثلاثة عشر عاماً وأسعدها ذلك: "النساء الأكبر سناً ينلن حباً أكبر من الشابات". خمس عشرة من علاقاتها على الأقل كانت حباً كبيراً، وبدأت هذه دائماً كالصاعقة. تركت أسرتها الى باريس مع صديقها جول صاندو ودبرت معيشتهما بالعمل في لوفيغارو مع انها اعتبرت الصحافة "أحقر المهن". نالت الاعجاب منذ روايتها الأولى "انديانا" لتشريحها الدقيق للعواطف البشرية وتصويرها البطلة "امرأة نموذجية حمقاء وغبية". تبادلت التعبير الصريح عن الحب مع الممثلة ماري دورفال وتسببت بفضيحة، وانتقدت ملابسها الرجالية على أن ذلك بدأ في الثالثة من عمرها عندما ألبستها والدتها زياً عسكرياً لتسلّي جنرالاً في جيش نابوليون. الأكيد انها أصرت على استعراضيتها، وعندما التقت الشاعر ألفرد دو موسيه كانت تتزين بخنجر مرصع بالجواهر، إلا انها بحثت أيضاً عن هوية ثابتة واشباع لم تنله من أصدقائها الصغار الذين اختارتهم ل"لطفهم". دعت هؤلاء أولادها وتكرر موضوع حب المحارم في أدبها الذي طغت حياتها عليه. الليل معلم أو مدّع؟ غاليري تيت مودرن، لندن، التي تعلق لوحاته حتى الخامس من أيار مايو المقبل لا تشك في الجواب، وربما عاد اعتقاد البعض بالعكس الى التحيز الانكليزي التقليدي للفنانين الفرنسيين. وجّه روجر فراي الذوق الانكليزي في العقود الأولى للقرن العشرين، وكان مفتوناً بالفن الفرنسي بلا منازع. لم يستطع التحفظ الانكليزي هضم الخشونة والصراحة العاطفية لدى الفنانين الألمان، لكن ماكس بكمان لامس قلوبهم للمرة الأولى عندما اشترك في معرض للفن الألماني في القرن العشرين رداً على معرض الماني آخر باركه النازيون. اشمأز هتلر، الفنان الفاشل، من الفن الحديث واضطهد مرتكبيه. كان بكمان منهم وعندما صادر النازيون أكثر من خمسمئة عمل له من المتاحف غادر الى أمستردام حيث استقر. ولئن أعجب الانكليز بتحديه هتلر بقي عمله بعيداً و"قليل الذوق، يعوزه الوضوح مثل اللغة الألمانية نفسها" وفق مجلة "أبولو". كان ممرضاً في الجيش الألماني وزودته أهوال الحرب العالمية الأولى بعنف ورعب يصفعان المشاهد بلا رحمة. "علينا أن نكون جزءاً من الشقاء المقبل. علينا أن نرضخ لقلبنا وأعصابنا... انه الفعل الوحيد الذي يمنح وجودنا الأناني وغير الضروري كفنانين هدفاً بإعطاء الناس صورة مصيرهم". عندما غزا هتلر هولندا علق في الفخ. كتب في يومياته عن قلقه على وجوده ووضع العالم، ورسم نفسه فنان سيرك على الأرجوحة. وتفاقم قتامه بالأرق والقلب الضعيف والتهاب الرئة. "الرجل الساقط" التي رسمها في أميركا في أواخر حياته تأخذ اليوم معنى آخر. الرجل الذي يقع من بناية مرتفعة وسط النار والدخان ذكّر المشاهد في الماضي بايكارس الذي حلّق نحو الشمس لكنه اليوم نسخة موجعة عن الذين ألقوا بأنفسهم من برجي مبنى التجارة العالمي. بعد الحرب العالمية الأولى رسم "الليل" التي تذخر بالعنف والرعب وتظهر الجلادين والضحايا وسط أشكال وخطوط صارخة لا تترك فسحة للراحة للعين والقلب.