لا يعطي "التردد" التركي في أيام المفاوضات الصعبة مع واشنطن، لحسم صفقة نشر القوات الأميركية في الأناضول ودياربكر، للقفز على تخوم العراق وشماله، سوى نموذج صارخ للمساومات في "سوق الحرب"... عفواً، بناء "أضخم تحالف في تاريخ البشرية". النموذج الآخر ايراني، على رغم الفوارق الكبيرة بين معاملة الحليف التركي "المخلص" لشراكته مع القوي، الأميركي، وشراكته التجارية أيضاً مع الرئيس صدام حسين، حين كان على مدى أكثر من عقد في "صندوق" العقوبات، وبين التعامل مع الجمهورية الاسلامية في ايران، الخائفة من غضب واشنطن. لكن أحداً لا يمكن أن يخفي حقيقة اجتهاد ايران ل"تحييد" ذلك الغضب، وهي لم تخف أصلاً أن الأولوية لمصالحها. وإذا صحت المعلومات عن "ادخال" طهران آلافاً من المعارضين الشيعة العراقيين الى العراق، في وقت تعد لرعاية مؤتمرهم، فذاك لا يمكن إلا أن يثير مزيداً من الشكوك، والمخاوف في حالين: تقاطع المصالح الأميركية - الايرانية أو تعارضها الى درجة اللاعودة، بعد كل "العروض المغرية" التي قدمتها الجمهورية الاسلامية لتحذف اسمها من اللائحة الاميركية لليوم التالي... بعد الحرب على العراق. ولن تنكر إدارة الرئيس جورج بوش ما فعلته ايران مع عناصر "القاعدة" الذين تسللوا الى أراضيها، لكن الثمن الأميركي كبير، يتجاوز قواعد السلوك في مكافحة الارهاب، والتي باتت مقننة بقرارات ولوائح للأمم المتحدة. ومثل حال الادارة، تبدو طهران وقد حسمت أمرها وباتت مقتنعة بأن رحيل صدام حتمي، لكنها مقتنعة أيضاً، وهذا هو الأهم، بأن التطمينات الأميركية بعيدة المنال، على رغم صمتها عن اختراق طائرات "غربية" الأجواء الايرانية. ولا يقلقها وحدها "سيناريو الكوابيس" ولا عاصفة الموت والتدمير، بل من يحول دون تعيين القائد العسكري الأميركي لإدارة العراق... وضبط كل حدوده، ومحاصرة من يرغب بوش في عزله، بعد اسقاط صدام. والسؤال هو هل يرضي الدول العربية المجاورة للعراق، بل كل الدول العربية التي ما زال يقلقها مصير وحدة هذا البلد، ان ترعى طهران مؤتمراً للشيعة العراقيين، وهل يخدم المؤتمر في تهدئة المخاوف من النيات الأميركية، ومن قدرة المعارضة عموماً على الامساك بخيوط الوحدة، ولو في ظل حكم عسكري أميركي؟ لكل شيء ثمن، في السلام والحرب، ولعل حيرة تركيا أبسط بكثير من المخاوف الايرانية: بلايين الدولارات لأنقرة فاتورة تدفعها واشنطن، مضاف اليها اختراق "جيش أتاتورك" الخاصرة الرخوة لشمال العراق، وتشكيل خط دفاع عن الاميركيين بعد الغزو، وخط هجوم على ما يزعم الأتراك أنه طموح الأكراد في الشمال الى اعلان انفصال. وهل من ينكر ان مخاوف طالباني وبارزاني من ذلك الجيش أكبر بكثير من خوفهم من جيش صدام؟! ... ما لقيصر لقيصر، وسيكون للرئيس التركي أحمد نجدت سيزر قيصر ما يريد، أي قرار آخر لمجلس الأمن يجيز لواشنطن بتفسيرات مطاطة شن الحرب على العراق. وستكون لزعيم "حزب العدالة والتنمية" رجب طيب اردوغان، زعيم الاسلاميين الجدد في تركيا، فاتورة فتح قواعد الأناضول للجيش الأميركي. لسانان، إذاً، والأكيد أن فاتورة البلايين، بعد المساومة الصعبة مع إدارة بوش، ستكون لأردوغان مجزية، كي يقنع نواب حزبه بالعوائد السخية للحرب. كل ما قال ان على الرئيس الأميركي أن يفتح يده أكثر، أو جيبه، من دون كلمة عن الأكلاف المرعبة للحرب. وهو قد يتذرع بأن العرب خيّبوا أمل اسطنبول، بعد تجربة اللقاء الاقليمي، وبديهي في كل الأحوال، ان مشكلة العرب، والحكم في بغداد، أزمة ذاكرة: الأتراك أتراك والايرانيون ايرانيون، وفي السياسة كل شيء مباح.